
النص الكامل //echo $btitle;?>
مسرحية
هنيبعل
(الوجه الآخر للخيانة)
صلاح الدين الحريري
الإهداء
إلى ناهدة ...
إجازتي من العدم
هذه المسرحية ليست تأريخاً لمسيرة هنيبعل العسكرية والسياسية.
إنها توليفٌ لبعض الأحداث التاريخية، والأسطورة التي تنبت في تضاعيفها، والخيال الفنّيّ الذي يسبغ على التاريخ والأسطورة أبعاداً فكريّة ودراميّة تحوّل العمل الإبداعي إلى عالم يتجاوز مفردات مكوِّناته.
شخصيات المسرحية
- هنيبعلْ : قائد جيش "قرطاج"
- مَاﭼو : عضو مجلس شيوخ قرطاج (مناصر لهنيبعل)
- بَارْسِدْ : عضو مجلس شيوخ قرطاج (مناصر لهنيبعل)
- بومِلْقـَارْ : رجل من قرطاج في العقد الخامس من العمر (مناصر لهنيبعل)
- حيرامْ : ضابط كبير في جيش هنيبعل
- سيرينْيَاسْ : ضابط كبير في جيش هنيبعل
- يَنَايْسَسْ : ضابط كبير في جيش هنيبعل
- تينَسّْ : ضابط كبير في جيش هنيبعل
- ﭙَابْلو : زعيم قبيلة إسبانية
- شَامينْ :رسول من قرطاج لهنيبعل
- فِرْنَانْدو : جاسوس لهنيبعل في إيطاليا
- تِرونو : شاب من قرطاج (مناصر لهنيبعل)
- مَلْفِيو : شاب من قرطاج (مناصر لهنيبعل)
- شِموسو :جندي في جيش هنيبعلْ
- مَلِيَّتا ،آنَّا، سُوفونيسْبا ، أَدِلْفا مونا : شابات قرطاجيات (مناصرات لهنيبعل)
- أَبْجَدْ : عضو مجلس شيوخ قرطاج
- هَانّو : عضو مجلس شيوخ قرطاج (مناهض لهنيبعل)
- فَابْيَسْ : سفير روما إلى قرطاج
- هَارْمونْيا : كاهنة معبد عشتروت
- سيرانو : ضابط إسباني في جيش هنيبعل
- سوسيلُسْ : معلّم هنيبعل ومستشار له
- سايْلِنُسْ : مؤرِّخ لمسيرة هنيبعل ومستشار له
- ساﭬونْ : ضابط كبير في جيش هنيبعل
- أدونيسْ : رسول هَسْدْرُبَالْ إلى هنيبعل
- بَارْمُكَارْ :رئيس وفد هنيبعل إلى روما
- أَلِيّا : كاهنة شابّة
- الشاب ذو الوشاح الأحمر : يحاول اغتيال هنيبعل
- الجندي المتشح بالسواد : يحاول اغتيال هنيبعل
- نساء، رجال، شباب، شابات
- جنود
- حرس مجلس الشيوخ
___________________________
- لَهيتَّا: الشابة التي تحمل من هنيبعل
- طيف سْكيبْيو: القائد الروماني الذي هزم هنيبعل في معركة زاما
- بْروسْيُسْ:ملك بيثينْيا -- مملكة في آسيا الصغرى: ملاذ هنيبعل الأخير
- فْلامينْيُسْ: قائد روماني – يلتقي بهنيبعل في وليمة بْروسْيُسْ
- البارْسِيدِيّونْ : نسبةً إلى هَمِلْقَارْ بَرْقَهْ: أنصاره وأنصار سلالته
المشهد الأول
( قرطاج
مجلس الشيوخ : في حالة التئام
حوالي السنة 220 قبل الميلاد).
هَانّو: تتزلزلُ الأزمنةُ كما تتزلزلُ الأمكنة. أَفَلا ننظرُ في طبيعةِ الزلزالِ الذي تهزُّ أسوارَ قرطاجَ ارتجاجاتُه؟ أَفَلاَ نجهدُ لتحديدِ السببِ والمسبِّبِ له، وقد بَغَتَنا، ولم نكن نحن سبباً من أسباب احْتدامه؟ اللحظةُ المفجوعةُ من تاريخ قرطاج تستنهض إراداتِكم وتستفزّ عقولَكم لِتَدَارُسِ هذه المحنة ولإتخاذِ الموقفِ الذي على هذا المجلس تبنّيه قبل استقبالنا الوفدَ الذي بعثتْ به إلينا روما.
مَاﭼو: الحكمةُ تقتضي أن يكون موقفُنا موحَّداً حتى لا نسمحَ لمكرِ روما أن يتسلّلَ إلى كياننا عبر الثغراتِ التي لا تزال تُشَقِّقُها في بنياننا السياسي خلافاتُنا القديمةُ والمستجدّة.
هَانّو: صدقتَ مرّتيْن.القديمةُ القديمةُ... والمستجدّةُ كذلك. ولكنني، بالصراحة التي تعرفونها مني، ألفتُ نظرَ هذا المجلس إلى أنّ توحيدَ الرأي... مستحيلاً مستحيلاً سيظلّ، ما لم تكنْ لدينا الشجاعةُ، كما النيّةُ، لتعرية الحقائق.
مَاﭼو: الحقائق! الحقائق ! عَرِّ لغتَكَ من هكذا مفردات وسَمِّ الأشياءَ بأسمائها.
هَانّو: الأشياءُ التي سأوردها ليست إلاّ الحقائقَ التي تكرهون سماعَها، أنتم، العصبةَ التي لا تزال تَدينُ بولائها لسلالةِ هَمِلْقَارْ بَرْقَهْ.
مَاﭼو: بل كلُّ ولائنا لقرطاج. يؤكّد ذلك مَنْ كانت لديه النيّةُ، نيّةُ الفهمِ عنّا. وتلك هي الحقيقةُ التي تغمضون عيونَكم عنها، أنتم، أنتم، عصبةَ النخبةِ التي كلُّ ولائها لامتيازاتها السياسية.
هَانّو: قرطاجُ آخرُ همّكم، فكلُّ انحيازاتكم إنما هي لسلالةِ الطموحاتِ الجامحة.
مَاﭼو: وَلَكُمْ أنتم، قرطاجُ مجرّدُ مكانٍ تستثمرونه وتستثمرون فيه.
هَانّو: عُصْبَتُكُمْ وطنُها أحلامُكم بالتوسع، كما هذيانُكم بالاستقلال، إستقلالِكم عنّا. وكلّ ذلك بالطبع على حساب أَمْنِ قرطاج. تعلّمتم الدرسَ قديماً من هَمِلْقَارْ، والآن تتعصّبون لنهجِ ابنه هَنيبَعْلْ، السائرِ أبداً أبداً على خطى معلّمه وأبيه.
مَاﭼو: ليستْ بالحقائقِ وساوسُكم... مهما احْتَلْتُمْ لتسويقها. هنيبعل استدعيتموه للمثول أمام هذا المجلس لمناقشته في أمر حصاره لمدينة Saguntum. فَالْجُموا وساوسَكم حتى تسمعوا آراءَه وتتفهّموا شروحاته.
هانّو: ولكنه لا يزال يماطلنا ويسوّفُ حضورَهُ. تماماً كما كان يفعل أبوه. نلحّ عليه بالإسراعِ إلينا لنقف منه على حقيقة ما يجري في إسبانيا قبل وصول الوفد الروماني، وهو يتمادى باستخفافه بنا فيبقينا هنا أسرى انتظارِه.
مَاﭼو: مهلكَ ! مهلك! فلقد بَلَغَتْنا الأنباءُ أنّ سفينتَه رَسَتْ على شاطئنا.
هَانّو: ما هَمَّ الآن ! فلقد ماطَلَ وسَوَّفَ حتى سبقتْه إلينا عيونُ روما.
(يدخل جندي)
الجندي: سفراءُ روما لِتَوِّهِمْ وصلوا. وهم بانتظارِ إشارةٍ تأذن لهم بالدخول عليكم.
هَانّو: بإنتظارهم مجلسُنا. عُدْ إليهم وقلْ لهم أن يتفضّلوا بالدخول.
الجندي: سمعاً وطاعة.
(يخرج الجندي)
مَاﭽو: حريٌّ بنا الآن أن ندفن خلافاتِنا لنواجه الضيفَ الغريبَ بلسانٍ موحَّد.
هَانّو: أنّى لنا ثم أنّى!
(يدخل الوفد الروماني)
فَابْيَسْ: ها هي الأيامُ على قلقٍ تجمعنا من جديد!
مَاﭼو: معاذ مِلْقَارْتْ وهِرَقْليسْ! فقلوبُنا مفتوحةٌ لكم كما فسحةُ مجلسنا.
فَابْيَسْ: قلوبُكم في صدوركم نائمة! السؤالُ هو أين هي عقولكم؟
هَانّو: الغضبُ الذي تنذر به كلماتُ السيّد فَابْيَسْ تَشي بأنّ رحلتَه إلينا كانت طويلةً ومتعبة.
فَابْيَسْ:طويلةً؟ أجل. ولكنها ليست بطول لائحة التساؤلات والاستنكارات التي حمّلني إياها إليكم سادةُ روما. ومتعبةً تقول؟ أجل أجل. ولكنْ ليس لضعفٍ في بُنْيَتي أو بُنْيَةِ أيٍّ من أعضاء الوفد الماثل أمامكم. رحلتُنا إليكم متعبةٌ فعلاً لأنها مثقلةٌ بذكرياتٍ لنا عن أيام هَمِلْقَارْ وخليفته هَسْدْرُبَالْ. كلاهما نكث بالوعود التي كانا قطعاها لروما، وكلاهما لم يلتزمْ بنصوص المعاهدات المبرمة بيننا وبين قرطاج.
مَاﭼو: الذي مضى مات وانتهى، وقرطاج لا تزال تدفع ثمن أخطائهما وتؤدّي إلى روما كلَّ ما فرضتْه عليها روما من تعويضات: فضّةً وحنطةً وحبوباً وسفناً.
فَابْيَسْ: الذي مضى لم يمتْ ولم ينتهِ إلاّ ربما في تمنياتكم. كلماتُكَ تهوّن الأمرَ عليكَ... وعليكم. ولكننا، نحن الرومان، نتفحّص مجرياتِ التاريخ بعيوننا نحن، لا بعيونكم.
هَانّو: مهما تكنْ عتاباتُكم محقّةً وعادلةً، فإننا على استعداد للتفاهم معكم حول كل ما يحفظ لقرطاج وروما أمنَهما واستقرارَهما... ومصالحَهما الاقتصادية كذلك.
فَابْيَسْ: لا تقلْ عتابات، فالعتابُ إنما هو لغةُ الضعفاء. روما تستنكر وروما تتّهم! وحينما تستنكر روما وتتّهم فَأَمْنُ العالمِ يكون قد إنزلق في مهوارٍ سحيق!
هَانّو: رفقاً بأمننا وأمنكم، يا سيّد فَابْيَسْ! ورفقاً بمصالحنا ومصالحكم. كلانا يعلم أنّ الدنيا تتّسع للجميع، فلنستمع الآنَ إلى ما يعتلجُ به صدرُكَ من استنكارات واتهامات. وأَعِدُكَ، قبل أن تبدأ، أنّ الصلحَ سيكون أبداً أبداً سيّدَ الأحكام.
فَابْيَسْ: ليته الصلحَ مرةً واحدةً كان سيّدَ الأحكام! الصلحُ مَرْحَمَةٌ يجود بها الأقوياءُ على الضعفاء!
هَانّو: أخلاقُ روما الفضيلةُ والحقيقةُ والعدلُ، فلنستمعْ إلى الحقيقة في اتهاماتكَ، وَلْيُصْلِحِ العدلُ بيننا ما أفسدتْه، وربما لا تزال تفسده، أحداثُ التاريخ.
فَابْيَسْ:لا تُلْهِني بفضفاضيّة الكلمات. ثقافتُنا أَدْرَى بوظائف اللغة من ثقافتكم. للساذجِ الغريرِ، اللغةُ أداةُ تواصلٍ تَعْبُرُ بها الحقيقةُ من فمٍ إلى أُذُن. وللضالعِ من ثقافة روما قد تكون اللغةُ أداةَ تعمية. القصدُ في نيّةِ المتكلّم وحده المعيارُ الذي به تُقَاسُ الحقيقةُ. فلا تُلْهِني ثانيةً بفضفاضيّة الكلمات. الصلحُ والعدلُ والشرفُ والسلامُ هي المفرداتُ التي ما إن تلهج بها ألسنةُ القرطاجيين حتى تتبرّأ منها أفعالُهم!
مَاﭼو: إسرافُ سعادةِ السفيرِ في طعنهِ بِقِيَمِ ثقافتِنا وتشكيكهِ العقيم بإلتزاماتنا الأخلاقية لا مبرّر له سوى النظرةِ الإستعلائيّةِ التي تعوّد قوّادُ روما أن يرمقوا بها القبائلَ والشعوبَ التي قهروها.
فَابْيَس: هو ذا إذن صوتٌ آخرُ من أصوات الإلتزامات الأخلاقيّة التي يتبرّأ منها تاريخُ قرطاج... من هَمِلْقَارْ حتى هنيبعلْ! الصوتُ تَعْمَوِيٌّ، تَعْمَوِيٌّ، فلا تأبهي لصداه، يا أُذُني!
مَاﭼو: بل افْتحْ أذنيْكَ الإثنتين لتسمعا وتَعِيَا أنّ القرطاجيين هم من سلالة الفينيقيين الذين أنعموا على إفريقيا واليونان وإيطاليا سابغاً من حضارتهم الفكرية والمادية... والأخلاقية كذلك. وذلك كلّه كان قبل أن تولد روما!
فَابْيَسْ: ولقد وُلِدَتْ روما! وبميلادها سَيُكْتَبُ للعالمِ تاريخٌ جديد! بذا يبشّرنا بطلُنا السماويُّ هرقليسْ.
مَاﭼو: وإلهُنا مِلْقَارَتْ بَشَّرَنا، ولا يزال، بدوام السؤددِ الذي كان جعله قديماً قَدَرَ أُمِّنا المشرقيّة صور.
هَانّو: لقد شططنا بالحوار شططاً بعيداً. سعادةَ السفير، نسألكَ أن تتلطّفَ بذكر الاستنكاراتِ والإتهاماتِ التي حمّلكَ إيّاها لنا سادةُ روما.
فَابْيَسْ: إذن حان وقتُ الكلمات المعّراةِ من زيف التعمية! القضيّةُ الأولى...
مَاﭼو: القضيّةُ الأولى؟! أم قَصْدُكَ الإتّهامَ الأوّلَ؟ تَوَخَّ الدقّةَ في اختيار مفرداتكَ، لأنّ بعضَها قد يتّشح بوشاح التعمية!
فَابْيَسْ: تستعيرُ لغتي؟! إذن بدأتَ تتعلّم من ثقافة روما حكايةَ الكلمات! القضيّةُ الأولى هي الإتّهامُ الأوّل...
مَاﭼو: وهل يعني ذلك، في منطقكم، أنّ كلَّ قضيّةٍ إتّهام؟
فَابْيَسْ: بل كلُّ اتّهامٍ قضيّةٌ. وأوّلُ الإتهاماتِ خَرْقُكُمْ للمعاهدةِ القديمةِ المعقودةِ بيننا وبين قائدِ جيوشكم -- هَسْدْرُبَالْ نفسه -- حينما سمحتُم لهنيبعلْ، منذ شهور، أن يعبرَ بجنوده نهرَ ال Hiberus الفاصل بين مناطقِ نفوذنا ومناطقِ نفوذكم. خنتُم العهدَ الذي كنتُم قطعتموه حينما دُسْتُم بسنابكِ خيلكم شرفَ الكلمات. روما تستنكرُ وروما تتّهم!
هَانّو: مهلاً! مهلاً! سعادةَ السفير. فالمعاهدةُ القديمةُ بينكم وبين هَسْدْرُبَالْ كانت فقط بينكم وبينه. قرطاجُ بريئةٌ من نصوصها.
فَابْيَسْ:بريئةٌ من نصوصها!! كيف؟ كيف؟
مَاﭼو: لأنّ هَسْدْرُبَالْ لم يرجعْ إلى هذا المجلسِ للحصولِ على موافقته. المعاهدةُ وقّعتْها يدٌ تَفَرَّدَتْ بالقرارِ ويَدٌ تَسرَّعتْ بالقبول.
فَابْيَسْ: يُرَدُّ على اتّهامنا لكم بإتّهامكم لنا؟!
هَانّو: بلِ المعنى كلّه أنَّ هَسْدْرُبَالْ تَجَاهَلَ حقيقةَ أنَّ المعاهداتِ لا تكتسبُ شرعيَّتَها إلاّ من موافقةِ هذا المجلس.
مَاﭼو: وأنتم، على علمكم بدقائقِ نظامنا السياسي، عَزَفْتُمْ عن الرجوع إلينا. خَطَأانِ ارْتُكِبَا في غيابٍ تامٍّ لإرادةِ قرطاج. بالنسبة إلينا، المعاهدةُ لا وجود لها، ولذا فعبورُ هنيبعلْ نهرَ ال Hiberus لا تنطبق عليه بنودُ معاهدةٍ لا وجودَ لها في أرشيفنا الدبلوماسيّ. قرطاج، إذن، بريئةٌ من كل التبعات.
فَابْيَسْ: فلنتركِ الأمرَ هذا لشيوخ روما... تدرسه وترى رأيَها فيه. ثاني الاتهامات هي الخيانةُ المتكررةُ للعهود التي كنتم قطعتموها على أنفسكم بعدم ضَمِّ أيّ مدنٍ أو أراضٍ جديدة إلى "قرطاج الحديثة"، حاضرتِكم الكبرى في إسبانيا. قطعتم ذلك العهد كشرطٍ كنّا اشترطناه عليكم لإنهاء الحرب التي دامت بيننا وبينكم عقوداً من الزمن. ولقد خنتُم العهدَ وتنكّرتم للشرط ودُسْتُمْ، كعادتكم، شرفَ الكلمات! روما تستنكر وروما تتّهم!
هَانّو: نؤكّد لسعادة السفير أنّ هذا المجلس ما كان ليوافق على أيٍّ من الانتهاكات التي ارتكبتْها قيادتُنا العسكرية في إسبانيا لو أنّ...
فَابْيَسْ: لو أنّ قوّادَكم استشاروكم في أمورِ التوسّعِ والضَمِّ؟! هي ذي حجّتُكم في كلّ الأمور؟! عجباً! عجباً! تحدّثوننا عن مركزيّة نظامكم السياسي، ولا نرى في "قرطاج الحديثة" إلاّ كياناً مستقلاً عنكم في اتخاذ قرارات الحرب والصلح والضمّ! مهزلتُكم السياسيةُ تبريرٌ لا ترضى به روما. روما تستنكر وروما تتّهم!
مَاچو: يتّهمنا سعادةُ السفيرِ بخيانةِ العهد والتنكّرِ للشرطِ ودَوْسِ شرفِ الكلمات، متناسياً أنّ روما ارتكبتْ عينَ الخيانةِ حينما سمحتْ لنفسها بضمِّ جزيرةِ سردينيا إلى مملكتها.
فَابْيَسْ: ولكنّ سردينيا ليست في إسبانيا.
مَاچو: إتفاقُ نهاية الحرب القديمة بيننا وبينكم ينصّ على أَنْ لا حَقَّ لأيٍّ من الطرفين أن يحتلّ مدناً أو أراضيَ جديدةً ويضمَّها إلى مملكته.
فَابْيَسْ: هذا تحريفٌ لبنود الإتفاق. الإتفاقُ يقتصر على الحدِّ من أنشطتنا العسكرية ضمن الأراضي الإسبانية.
مَاچو: رأيُكَ مجرّد اجتهاد. إرْجِعْ إلى مجلس شيوخكم في روما للتأكد من حقيقة ما أقول.
فَابْيَس: نصيحتَكَ احتفظْ بها لنفسكَ، فنحن في كلّ أمورنا نرجع إلى مجلس الشيوخ. روما لها دائماً مركزيّةُ القرار.
مَاچو: إذن نكون انتهينا من جدليّةِ هذا الاجتماع.
فَابْيَسْ: ظَنُّكَ المتسرِّعُ لا يُغْني من الحقّ شيئاً. روما توجّه إليكم السؤالَ التالي...
مَاچو: سؤالاً تعني؟ أم أنه ثالثُ الإتهامات؟
فَابْيَسْ: روما تسأل: هل كان قرارُ حصارِ هنيبعلْ لمدينةِ Saguntum بأمرٍ من هذا المجلس أم أنه قرارٌ تَفَرَّدَ به هنيبعلْ؟
هَانّو: بريءٌ بريءٌ من قرارِ الحصارِ هذا المجلسُ.
فَابْيَسْ:تعلمون أنّ بين روما و Saguntum حلفاً أوجبتْ فيه على نفسها روما الدفاعَ عن هذه المدينة في حال تعرّضها لأيّ اعتداء. وروما، كعادتها، تحترم أحلافَها وتصون شرفَ الكلمات!
مَاچو: الحلفُ بينكم وبين Saguntum قام بعد زمانٍ من توقيع اتفاق نهاية الحرب بيننا وبينكم. ولذلك فحصارُ هنيبعل للمدينة لا يشكّلُ خرقاً للإتفاق.
فَابْيَسْ: وحدها روما تقرّر إن كان ذلك خرقاً أم لا. ولقد فَوَّضَني مجلسُ الشيوخ أنْ أبلّغكم أَنْ إِنْ كنتمُ شركاءَ في قرارِ حصارِ المدينةِ، فالأمرُ سَيُؤخْذُ على أنه بمثابة إعلان للحرب، وإن كان هنيبعلْ تفرّد بذاك القرار، فعلى هذا المجلس تسليمُ هنيبعلْ إلى روما لإتخاذ العقاب المناسب بحقّه.
مَاچو: تأبى قرطاجُ ! ويأبى مِلْقَارْتْ!
فَابْيَسْ: إذن تُخَيِّرُكُمْ روما بين أمريْن: إمّا الحرب وإمّا تسليم هنيبعلْ!
مَاچو: قرطاجُ تلتزم الحيادَ. فَلْتَخْتَرْ روما!
فَابْيَسْ:إذن هي الحربُ، مسعورةً تتلظّى، وما أنتم عن لَفْحِ سعيرِها بمنأى.
هَانّو: أليس من العدل أن نمنح السلمَ فرصةً أخرى؟
فَابْيَسْ: وحده هرقليسْ الذي ارْتأى. وحده الذي عليكم أعلن الحربَ، ووحده الذي سيجني قمحَ حصادِهِ غدا.
(بينما ينسحب الوفد الروماني تتجاوب في قاعة المجلس عبارات الغضب والتذمر والإستهجان ويهيمن على الجوّ هرج ومرج عظيمان.)
المشهد الثاني
(أحد الشوارع القريبة من مرفأ قرطاج. من يسار الشارع تدخل باقة من صبايا المدينة. من يمين الشارع تدخل زمرة من الشباب. تلتقي المجموعتان وينخرط الكلّ في أحاديث ودّيّة وحماسيّة. مَليتَّا و تِرونو يتمشيان بعيداً عن الجمع حيث يطيب لهما تبادل الابتسامات والنظرات الحميمة والكلمات.)
تِرونو: هنا اتَّفقنا أنْ نلتقي!
مَليتَّا: ونلتقي الآن ههنا!
تِرونو: مَليتَّا! مَليتَّا! (ممسكاً بيديها)
مَليتَّا: توأمَ أنفاسي تِرونو!
تِرونو: حتى ولو... حتى ولو لم يجمعْنا اتّفاقُنا لَجَمَعَتْنا كانت أشواقُنا.
مَليتَّا: بالشوقِ هاجسٌ لسانُكَ في كلّ أمرٍ، فما الذي به هاجسٌ قلبُكَ؟
تِرونو: هاجسُ القلبِ وَجَعُهُ.
مَليتَّا: وَجَعي أنا شوقي إلى حرّيتي معكَ بعيداً بعيداً عن هنا. وأنتَ، أنتَ، تُرى ما وجعُك؟
تِرونو: عطفاً على شوقي إلى حرّيتي معكِ، وَجَعي شَمَّامَةٌ مَحْزُوزَةٌ قمريْن!
مليتَّا: تظلُّ تحرجني بكلماتكَ! ولكنْ قلْ لي مِنْ أين تأتيكَ شعريّةُ هذه الصورة؟
تِرونو: من الزمن الآتي.
مَليتَّا: ترحلُ إلى الزمن الذي ليس بعد، تقطفُ لي منه أغربَ كلماتكَ؟
تِرونو: بل هو الراحلُ إليَّ، زمناً في غفلةٍ عن سياقِ مجراهُ وعن مجرى سياقِه.
مَليتَّا: إلهةُ الشعرِ وسوستْ لكَ...
تِرونو: وتوسوسُ لي في كلّ يوم وليلة بأنَّ الرحيلَ شرطٌ من شروط الحريّة.
مَليتَّا: وهل توسوسُ لكَ أنَّ الرحيلَ هو كذلك شرطٌ من شروط شوقي إلى حريّتي معكَ؟
تِرونو: أَوَ ليس الشوقُ رحيلاً بحدِّ ذاته؟
مَليتَّا: رحيلٌ أبديٌّ هو إلى المَشوقِ إليه. رحيلُ الروحِ إلى الروح.
تِرونو: والجسدِ إلى الجسد!
مَليتَّا: هواجسُ جسدِكَ أقسى أوجاعِكَ!
تِرونو: حيث لا جَسَدَ فلا روح. هواجسُ جسدي أوجاعُ روحي.
مَليتَّا: أَصَبْتَ لَعَلَّكَ. ولكنْ عجباً! عجبا! هذه الثلاثةُ الأمورُ تظلّ تحيّرني.
تِرونو: تحيّركِ لماذا! أفصحي إذن. بَيِّني.
مَليتَّا: الشوقُ والحريةُ والرحيلُ... كيف لِتَحَالُفِها أَنْ يفضيَ إلى إسعادنا؟
تِرونو: قد لا نعرف ذلك أبداً. كلُّ ما نعرفه الآن هو أنَّ وجودَنا في هذا المكانِ القريبِ من الشاطيء والمرفأِ، ننتظرُ مرورَ موكبِ هنيبعلْ، هو الأملُ الواعدُ لنا بتوحّدِ الشوقِ والحريةِ والرحيل... إِنْ هو فقط أومأ إلينا بأنْ نعمْ سأحقّقُ لكمْ أحلامَكم الفتيّةَ يا صبايا وشباب قرطاج!
مَليتَّا: إذنْ ما أطولَ انتظارَنا الراعشَ لوصوله!
(أصوات بعيدة لهتافات جماعيّة تأتي من الجانب الأيمن للشارع)
مَليتَّا: أخيراً أخيراً موكبُ البطولة سائرٌ نحونا.
تِرونو: ومن تلك الجهة الهتافاتُ تشقّ الفضاء.
مَليتَّا: قريباً يغرق الشارعُ بالناس، فحذارِ أن يفرّقنا تدافُعُهم.
تِرونو: سأحوطكِ بذراعي فلا تجزعي. الموكبُ على كل حال بعيداً لمّا يَزَلْ.
مَليتَّا: رفاقُنا أراهم يتخذون أماكنَهم في تلك النقطة من الشارع. فأين تُرانا نقف أنا وأنت لنتمكّن من الإقتراب من هنيبعلْ ومخاطبته؟
تِرونو: سيكون على ظهر جواده، يحيط به جندُه من كل صوب. ولذا أقترحُ أن نكون في وسط الشارع لنسدّ عليه الطريقَ، نستوقفُه ونهتفُ له ونطلبُ منه الإستماعَ إلى الرجاءِ الذي جئنا ورفاقَنا به إليه.
مَليتَّا: إذن علينا أن نخبر الآخرين بخطّتنا. هيّا هيّا نسرع إليهم.
(الهتافات الحماسية من الجانب الأيمن للشارع تقترب وتعلو رويداً رويداً.)
تِرونو: مهلكِ مَليتَّا! أنظري هناك هناك... تماماً إلى اليسار منّا...
مَليتَّا: أنظرُ ها أنا...ولكن إلى أيّ شيء؟
تِرونو: ألا ترين ذلك الشاب المتلفّع برداء سميك ويلفّ عنقَه وشاحٌ أحمر؟
مَليتَّا: أراه أراه. ولكنْ ما الذي أثار قلقَكَ وملأ عينيكَ بالحيرة والشك؟
تِرونو: القلقُ الذي في عينيه. أنظري أنظري كيف لا تستقرّ عيناه على حال. تتّجهان إلى آخر الشارع، إلى أوّله، يميناً، ويساراً، وكأنهما تتفّحصان المكانَ وتقيسان المسافاتِ التي بين وبين.
مَليتَّا: لعلّه الحماسُ الذي أصابه بالتوتّر... حماسُه لإقترابِ موكبِ القائدِ الذي لم يكنْ أحدٌ من جيلنا، حتى اليوم، يحلم برؤيته في شوارع قرطاج؟
تِرونو: لن أشتطّ بظنوني، ولكنْ يتهيّأُ لي أنه يخبّيء من نفسه شيئاً وشيئاً.
مَليتَّا: اليومَ يومُ الحلمِ والتفاؤلِ، فَاكْتَفِ مثلي بالظنّ أنْ إنه ليس هناك إلاّ الحماسُ الجارفُ والتوتّرُ الناتجُ عنه.
تِرونو: لعلّكِ على حقّ. ولكنْ يظلّ رأيُكِ أَحَدَ احتماليْن.
مَليتَّا: والإحتمالُ الآخر ماذا؟
تِرونو: شيءٌ كالهاجسِ... كطيفِ خاطرٍ قاتم... أحسّ به ولا أقدر على احتوائه.
(الهتافات الحماسيّة تقترب أكثر فأكثر وتعلو أكثر فأكثر. نساء ورجال من كافة الأعمار ينجرفون إلى قلب الشارع آتين من يسار المكان. يختلط بهم الشاب صاحب الوشاح الأحمر.)
مَليتَّا: هيّا بنا، هيّا نأخذ مكانَنا الذي ارتأيتَه قبل أن يسدَّ علينا الطريقَ هذا الخليطُ العجيبُ من النساء والرجال.
تِرونو: هيّا بنا، هيّا، فحماسُ الناسِ يجرفهم كالسيل الهادر.
مِليتَّا: وقريباً قريباً ستتحقّق أحلامُنا.
تِرونو: أجل أجل ... حينما نلتقي بَطَلَنا المُغَرَّبَ!
(يندفع تِرونو ومَليتَّا إلى وسط الشارع حيث الرفاق والرفيقات. في غمرة الهرج والمرج يبدو أنّ الرأي يستقر على أنْ تتحلّق الشاباتُ في دائرة وتتحلّق حولهنَّ دائرةُ الشباب. ضجيج النساء والرجال تطغى عليه فجأة هتافاتُ الموكبِ الذي تنساب إلى الشارع طلائعُه ليختلط المنتظرون بالوافدين. صيحاتُ الحماس وفرقعاتُ الضحكات والأيدي هي لغةُ المكان الآن.)
رجل: بطلُ العالمِ الجديدِ على بُعْدِ نظرةٍ منّا.
امرأة: بل على بُعْدِ خفَقةِ قلب.
شابّة: بل في قلوبنا نحمله وإنْ كنّا لا نراه.
شاب: بحقّ عشتروتْ وملقارتْ ما الذي أراه؟ أنظروا معي... هنيبعل يترجّل عن جواده ويمشي بين الناس!
رجل: ويوميء إلى جنوده أَنْ أفسحوا الطريقَ إلى الساعين إليَّ! أليس أعجب العجبِ الذي نراه؟
امرأة: محبّتُه للناس أنزلتْه عن صهوة جواده!
شاب: نبيلٌ ولا كالنبلاء!
شابّة: قائدٌ ولا كالقّواد!
رجل: عظيمٌ في قيادته وعظيمٌ في تواضعه. أنظروا إليه يحدّثُ الرجالَ والنساءَ ويبتسم لكلّ مَنْ حوله.
شاب: خوفي عليه من غدرِ لئيمٍ وحسدِ وضيعٍ.
امرأة: فَلْنَضْرِبْ حوله طوقاً حينما يقترب منّا، طوقاً يكون له الدرعَ والصونَ من عبث الإحتمالات.
(هنيبعل، والناس حوله، يصل إلى وسط الشارع. مَليتّا ورفيقاتُها يلتففنَ حول هنيبعل ويلتفّ حولهنَّ تِرونو ورفاقُه.)
مَليتَّا: بطلَ الإنتصاراتِ التي تحملها إلينا رياحُ المجد من إسبانيا...
آنّا: إصْغِ إلينا...
سُوفونيسْبا: وجيّداً إصْغِ إلينا...
آنّا: فلدينا الكثيرُ ممّا يهمّكَ سماعُه.
هنيبعلْ: حسناً يا ورودَ قرطاج حسناً. ولكنْ مَنْ تكونُنَّ وقد ضربتُنَّ حولي حصاراً جميلاً؟
مَليتَّا: بناتُ أَليسَّا نحن إنْ كنتَ لا تعرفنا.
آنّا: أليسّا الحريّةِ التي عَمَّرَتْ بعنفوان إرادتها قرطاجَنا الحبيبة.
هنيبعلْ: نِعْمَ المُنْتَسِبَاتُ ونِعْمَ التي إليها الإنتسابُ. حَدِّثْنَني. قُلْنَ لي: ما الذي تتمنّينه من هنيبعل؟
مَليتَّا: نتمنّى... لو كنتَ تدري الذي نتمنّى!
هنيبعلْ: وَاسْمُ الصبيّةِ ماذا؟
مَليتَّا: مَليتّا! ممثّلةُ الصبايا المتحلّقاتِ حولكَ.
هنيبعلْ: للجيشِ قيادتُه كما للجمالِ قيادتُه! قولي، تمنّيْ، بالنيابة عن نفسكِ، وبالنيابة عنهنّ.
مَليتّا: كما ترى... نحن دائرةُ صبايا تتحلّق حولها دائرةُ شباب.
هنيبعلْ: أرى ذلك بوضوح وأفرح لَكُنَّ.
مَليتّا: إذن أتممْ لنا فرحتَكَ بنا وأَعِنَّا على تحقيق حلمنا بالحريّة.
هنيبعلْ: الحريّة! الحريّة تقولين؟ وهل قرطاجُ أليسّا إلاّ الحريّة؟
مَليتّا: لا حريّةَ حيث مجالسُ الشيوخ وطبقةُ النبلاءِ والطاعنونَ في السنّ والذكورُ من ممثّلي الآلهة لهم وحدهم مراكزُ السلطةِ والتحكّمِ والقرار.
هنيبعلْ: ما الذي أسمعه وتستنكره أذناي؟! رفقاً بسمعي ورفقاً بي يا صبيّةَ قرطاج.
مَليتّا: قرطاجُ الحلمِ القديمِ طائرٌ أُهيضَ جناحاه!
هنيبعلْ: لا تتمّي! بحقّ ملقارتْ وعشتروتْ لا تتمّي!
مَليتّا: وبحقّ ملقارتْ وعشتروتْ اسْتمعْ إليَّ، إلينا، فنحن الجيلُ المقهورُ حاضرُنا الضياعُ، وماضينا ثقافةُ حريّةٍ هَجَعَتْ في الماضي، ولم يَبْقَ لنا إلاّ المستقبلُ، وأنتَ أنتَ، يا هنيبعلْ، شبابُكَ حلمُنا، وإرادةُ الحياةِ فيك قدرُنا، فَأْذَنْ لنا بالرحيل معكَ إلى إسبانيا، فقرطاجُ الحديثةُ هناك هي حاضرتُكَ أنتَ، وهي اليومَ حاضرةُ أحلامنا بالحريّة التي أجهضتْها مجالسُ قرطاج بفتنِ التنافسِ والتناحرِ والتزلّمِ والتآمر.
هنيبعلْ: حسبكِ! حسبكِ! يا جريحةَ الكلمات ويا جارحةَ الإتهامات! الطعنُ في نظامنا السياسي مغامرةٌ قد لا يحتملها التاريخ.
مَليتّا: ومَنْ يصنعُ التاريخَ إلاّ أهلُ زمانِهِ؟ ومَنْ أهلُ زمانِهِ اليومَ إلاّكَ يا ابنَ هَمِلْقارْ بَرْقَهْ؟
هنيبعلْ: أفهمُ أحلامَكنَّ وأحلامَكم تماماً يا صبايا وشباب قرطاج. ولكنّ اللحظةَ التاريخيّةَ لحظةٌ حرجةٌ بالنسبة لنا جميعاً، فأنا، كما تعلمون وتعلمْنَ، في طريقي إلى مجلس الشيوخ الذي استدعاني لمساءلتي في أمر حصار جيشي -- جيشكم -- لمدينة Saguntum.
(من بين الجمع تندفع نحو هنيبعل امرأةٌ فارعةُ القامةِ بهيّةُ الطلعةِ وتخاطبه بصوت واثق النبرة.)
المرأة: إستدعاؤهم لكَ ومساءلتُهم إيّاكَ لن تغيّر أبداً من حقيقةِ طبيعتِكَ التي تسمو فوق جِبِلَّةِ الماء والطين!
هنيبعلْ: ومَنْ تكونُ، بحقِّ الآلهةِ، سيدتي؟
المرأة: هَارْمونْيا أنا، رئيسةُ كاهناتِ معبدِ عشتروتْ، عشتروتِنا القمريّةِ، خالقةِ الزمنِ وسيّدةِ الأقدارِ والمصائر.
هنيبعلْ: لعشتروتْ، كما لملقارتْ، ولاءُ هنيبعل.
هَارْمونْيا: وللحلم الذي تراءتْ لي فيه عشتروتْ وملقارتْ ولاءُ هَارْمونْيا.
هنيبعلْ: أيَّ حلمٍ تعنيه سيدتي؟
هَارْمونْيا: في هجعةٍ لي من هجعاتِ الليلِ... هنالكَ هنالكَ في ركنٍ خفيٍّ من أركان معبد عشتروت... حدث الذي حدث وجرى الذي جرى وكأنما كنتُ في هجعتي هاجعةً غيرَ هاجعةٍ. عيناي المغمضتانِ تنفتحانِ في غَمْضتِهِما على شيءٍ كالحلم، حلمٍ مُلْهَمٍ كالقمر، وإنْ لم أكنْ لأجزمَ هل كان هو فيَّ أم أنني التي كنتُ فيه. شيءٌ هو كان لا كالأشياء التي نراها فنلمسَها فتكونَ لحواسّنا وعقولنا الحقيقةَ واليقينَ، بل شيءٌ هو كان كأنه عالمُ الطيوفِ يتجلّى للروح يقيناً أنصعَ من كلّ يقين. طيْفان من ذلك العالم القمريّ انْزَلَقا ناحيتي ومَلَّسَا على عينيَّ فإذا بعينيَّ تتعرّفان إلى ملقارتْ وعشتروتْ. أنزلقُ إلى عتبةِ قدميْهِ وعتبةِ قدميْها ألتمسُ بهجةَ النور وفيضَ الخواطر السماوية. تهمس هي بي ويهمس هو بي، وكأنما الهمسُ يترقرقُ من نبعٍ واحدٍ، نبعٍ لا يكون له وحده ولا يكون لها وحدها، لأنّ الهُوَ والهِيَ كأنما لا يكون أحدُهما إلاّ بالآخر... تهمس هي بي ويهمس هو بي أَنِ اهْبطي إلى الأرض بالبشرى أَنْ كما عَبَرَ اليونانيُّ هِرَقْليسْ جبالَ الألبِ وانحدرَ إلى الأرض الإيطالية ليؤسّسَ مدينةَ روما، قاهراً في طريقه الشعوبَ والقبائلَ البربريةَ، ممهِّداً لها سُبُلَ الترقّي الحضاري، كذلك سيكون لهنيبعلْ عبورٌ للجبالِ العصيّةِ إلاّ على مَنْ كان انْتِسَابُهُ إلى الطبيعة الإلهية شرطاً من شروطِ وجودهِ. هنيبعلْ قرطاجْ إنما هو هِرَقْليسْ اليونان. يوحِّدهما نَسَبُ السماءِ كما توحّدهما مهمّة ُ تهذيبِ البشريّةِ والإرتقاءِ بها إلى مصافِّ الشعوبِ المتحضّرة. نَسَبُهما قَدَرٌ وبشرى، ومهمّتُهما قَدَرٌ وبشرى، فهل من قَدَرٍ بشّرتْ به عشتروتْ القمريّة وملقارتْ من مَفَرّ؟
هنيبعلْ: أستحلفكِ بقداسةِ الحلمِ أن تنسيْ حُلَمَكِ! أتْركيني أداري بالصمتِ حَرَجي من كلماتِكِ.
هَارْمونْيا: ملقارتْ وعشتروتْ تأبيان أن أَدَعَكَ لصمتكَ. أنظرْ معي، يا هنيبعلْ، أنظرْ معي إلى السماء، تأمّلْ ما خلف الغيوم. وأنتم، يا أهلَ قرطاج الشجعان، يا بناتِ أليسّا وأحفادَها الأوفياء، أنظروا معه إلى السماء، تأمّلوا معه ما خلف الغيوم. ألا ترون الطيوفَ النورانيّةَ تهمس بكم، بنا جميعاً، أن نلتحقَ بهنيبعلْ أنّى توجّهتْ ركائبُهُ... ركائبُهُ التي مسيرتُها الجارفةُ لا تكون إلاّ في اتجاه روما، روما التي لطّختْ بعارِ الهزيمةِ شرفَ قرطاجْ مرّةً في حربها ضدّ هَمِلْقَارْ بَرْقَهْ، روما التي تجمع اليومَ مكرَها لتلطّخ شرفَ قرطاج ثانيةً بهزيمةٍ تحوكها لإبنه هنيبعلْ، هنيبعلْ الإنسانِ الإلهِ والإلهِ الإنسانِ؟ أليستْ بكلّ ذلك توحي إلينا همساتُ الطيوف النورانيّةِ السارحةِ خلف الغيوم؟
مَلْفِيو: صدقتْ هارمونيا! صدقتْ رسولةُ عشتروتْ إلينا!
أَدِلْفا: وصدقتِ الطيوفُ النورانيّةُ التي خلف الغيوم!
مَليتّا: إذن هنيبعلُنا هو الإنسانُ الإلهُ!
تِرونو: والإلهُ الإنسانُ!
بومِلْقَارْ(في العقد الخامس من العمر): وإذن فهو المرتَجى المرتَجى... مَلِكاً على قرطاج! أسرعي إليَّ يا أَدِلْفا بإكليلِ الغار.
(من دائرة الصبايا تندفع أَدِلْفا وتناول بومِلْقَارْ إكليلَ الغار.)
بومِلْقَارْ: وحده رأسُكَ، يا سليلَ المجد، يا ابْنَ هَمِلْقَارْ بَرْقَهْ، جديرٌ بهذا الإكليل. تَقَبَّلْهُ منّي، منّا جميعاً، وضَعْهُ على رأسكَ المفدّى لأنه لا ينبغي لمثلي أن ترتفعَ يداه إلى رأسِ مَلِك.
هنيبعلْ: لا! لا تُغْرِني بهذه الكلمات! لا! ولا تستدرجْ أفكاري لأتخيّلَ في نفسي ما ليس أصلاً فيَّ. قائدُ الجيش أنا، وكلمةُ "المَلِكِ" مفردةٌ لا تطربُ لها آذانُ النبلاء، فَاصْرِفْها عن أذنيَّ... إِصْرِفْها عن لسانِكَ حتّى.
بومِلْقَارْ: النبلاءُ والشيوخُ لهم مجلسُهم، ولنا نحن أن نرى على رأسكَ الإكليلَ التاجَ. عظمةُ انتصاراتكَ تاجٌ على رأسِ قرطاجْ، فلماذا لا يتألّقُ على رأسكَ اليومَ إكليلُ الغارِ وغداً تاجُ انتصاراتِكَ؟
هنيبعلْ: وحدهُ السيفُ تاجي. حذارِ حذارِ من فتنةِ التيجان. ولكنْ إذا كانت تُغْريكُمْ خيالاتُكم بتصوّري مَلِكاً، فلا بأس عليكم أن تهدهدوا أحلامَكم في سرائركم... شرطَ ألاّ تتفوّهوا بالكلمةِ جهاراً جهاراً. أُذُنُ قرطاجْ عصيّةٌ على سماعِ ما تكره، وأنا أَكْرَهُ أَنْ أُكْرِهَكُمْ على غير ما تحبّون!
أصواتٌ متداخلة لرجال ونساء: لا تتخلَّ عن أحلامِ الشعبِ! ولا تتجاهلْ مشيئةَ الآلهةِ!
هنيبعلْ: كلُّ ما يهمّني وكلُّ ما أعرفه هو أنني حليفُ الشعبِ في أحزانه وفي أفراحه، في غناه وفي فقره، في تفاؤله وفي يأسه... وأنّني أَعِدُهُ، في سرّي وفي علني، بزوالِ أسبابِ الحزنِ والفقرِ واليأسِ من حياته ووجوده. هذا كلُّ ما أعرفه عنّي. أمّا إصرارُكم على ما تصرّون عليه فسيبقى دائماً رهناً بمشيئةِ الآلهةِ. أستودعكم أحلامَكم وأمضي إلى مجلس الشيوخ حيث ستجري مساءلتي حول حصار جيشي -- جيشكم -- لمدينة Saguntum.
تِرونو: أبداً أبداً لن يُفَكَّ الحصارُ! أبداً أبداً لن تكون وحدكَ!
مَليتّا: أبداً أبداً... ما دامتْ بناتُ أَليسَّا ورفاقُنا من أحفادها يتحفّزونَ للإلتحاقِ بجيشكَ، جيشِنا، رضيتْ أم لم تَرْضَ بذلك مجالسُ قرطاجْ!
هَارْمونْيا: وهَارْمونْيا ستكون في طليعةِ المنضويات. بهذا بشّرتْني عشتروتْ وبهذا أمرني ملقارتْ. السماءُ والأرضُ حليفاكَ يا هنيبعلْ. ومَنْ يكنْ حليفيْه الأرضُ والسماءُ، فَغَدُهُ النصرُ، وإنّ غداً لناظره قريبُ.
(ما إن يهمّ بمتابعة مسيره حتى يعترضه فجأةً الشابُّ ذو الوشاح الأحمر.)
الشاب: ألم تسمعْ، يا هنيبعلْ، ما يقوله العرّافون؟
هنيبعلْ: تقول ماذا؟ العرّافون! وما شأنُ هنيبعل بالعرّافين؟
الشاب: ما شأنُكَ بالعرّافين؟! ألا تؤمن مثلنا أنّ السماءَ منحتْهم هِبَةَ رؤيةِ الأحداثِ قبل حدوثها؟
بومِلْقَارْ: حسبكَ يا فتىً! أنتَ تعطّل مسيرةَ قائدنا.
هنيبعلْ: لا! لا أيها السيّد الجليل. لا تمنعْه من الإفصاحِ عن مكنونِ صدرهِ، فَمَنْعُكَ إيّاه إنما هو تعطيلٌ لوظيفة الحريّة.
الشاب: تتحدّث عن الحريّة وقد نَسَبوكَ إلى الآلهة التي تتحكّم بمصائر الناس؟
(صرخات الإستهجان من الجمع المتحلّق حول هنيبعل يختلط عنيفُها بسليطها وترتفع الأيدي مهدّدةً الشاب بالويل والثبور. بيده المرتفعة إلى أقصى مداها يشير هنيبعل إلى الجمع أن يلزم الصمت.)
هنيبعلْ: وهل ذلك ما يقوله العرّافون، أيّها الفتى المتلفّع بوشاح الدم؟
رجل: فَلْنَهْدِرْ دمَ المتطاول على قائدنا!
امرأة: فَلْنُمَزِّقْه إرباً إرباً!
هنيبعلْ: بل لن يمسَّه بحضوري أحدٌ. أجبْني، أيّها الفتى، هل أنتَ تتحدّث بلسان نفسكَ أم بلسانِ مَنْ غَيَّبَ نفسَه وراء لسانك؟
الشاب: بل أتحدّث بلسانِ العرّافين الذين رأوا ما لن يُفْرِحَكَ سماعُه.
بومِلْقَارْ: كلمةٌ أخرى من تطاولكَ ستكون آخرَ أنفاسك!
هنيبعلْ: صبراً عليه صبراً، أيّها السيّد الجليل. رؤى العرّافين لا تُخيفُ هنيبعل. هنيبعل كذلك له رؤاه. صرّحْ، أيّها الفتى... ما الذي يقوله العرّافون؟
الشاب: يقولون... يحتمي بالإلهِ المنافقون...
هنيبعلْ: ثم ماذا؟
الشاب: يمتطون صهوةَ جواده...
هنيبعلْ: ثم ماذا؟
الشاب: يرتقون بها إلى مجدٍ محصَّنٍ بعباءةٍ من غيوم.
(صيحات الغضب يختنق بها الفضاء، والأيدي المنذرة بالوعيد تتلاحم وتتصادم)
هنيبعلْ: سمعاً! سمعاً! يا نساء ورجال قرطاج. قلْ، أيّها الفتى المتلفّعُ بوشاحِ الدم، خبّرْنا كيف تنتهي رؤيا العرّافين؟
الشاب: كيف تنتهي، تسألني؟ هكذا هكذا سأجيب...
(يستـــلّ من ردائه خنجراً، وبكلّ قوته يحاول طعن هنيبعل. ولكنّ أحد حرّاسه يرمي بنفسه بينه وبين الشاب فتقع الطعنةُ في صدر الحارس. اللحظةُ لحظةُ هرج ومرج وهلع وغضب. بعض الشباب والرجال يحملون الحارس الجريح وينتحون به ناحيةً قريبة في محاولة لإسعافه.)
رجل: قَطِّعوا أوصالَه!
امرأة: إنتزعوا من صدره قلبَه وأطعموه للكلاب!
هنيبعلْ: لا! لا تندفعوا بحماس الغضب، فليس من النبل أبداً أن نسحقَ الخاطئين من أبناء قرطاج. إنما النبلُ في تجاوزنا عن إساءة المسيئين. فكيف إذا كان المسيءُ إلينا فتىً قرطاجيّاً غَضَّ البراءةِ، وقد غَرَّرَ به ربّما... أيْ نعمْ ربّما... مَكْرُ الماكرين؟ لا! ثم لا، يا حماةَ قرطاج. أتركوا الفتى ينطلق في حال سبيله. فقط حرّروه من خنجره الذي لن يؤذي به إلا نفسه ولو بعد حين. والجريحَ الجريحَ عجِّلوا ضمِّدوا جرحَهُ النبيلَ ووافوني به معافىً سليماً.
مَليتَّا: الجريحُ نُبْلُ جرحِهِ سيشفي له الجرحَ. ولكنّ نُبْلَ عفوِكَ لا يستحقّه الفتى الخائن!
تِرونو: نُبْلُكَ فوق ما تقتضيه العدالة!
هنيبعلْ: العدالةُ تقتضي أن يُعاقَبَ الذي يُعطي الخنجرَ وليس الذي يحمله. مَنْ كان يحبّ هنيبعل فلا يرفعنَّ يده للصفع واللطم... كما فعل بعضُكم ويفعلون. دعوا الفتى المغرَّر به يمضي في حال سبيله. لا أنتم ولا هنيبعل، بل الحياةُ نفسها ستعلّمه أدبَ البحثِ عن الحقيقة.
بومِلْقَارْ: ولكنّها محاولةُ اغتيال! تقويضٌ صارخٌ لنظامنا السياسي!
هنيبعلْ: إذن علينا أن نحمي هذا النظام أوّلاً من أنفسنا. ونحميه فقط بإستيعابِ الجهلِ، وفضحِ المتآمرِ المتخفّي، ولجمِ الغضبِ حينما تشتعل به صدورُنا.
بومِلْقَارْ: وإنها لأخلاقُ مَلِكٍ تترقرقُ بها كلماتُك!
مَليتَّا ورفيقاتها: وإنّك لملكنا يا هنيبعل!
تِرونو ورفاقه: وملكنا الإنسانُ الإلهُ!
هنيبعلْ: تعرفون رأيي في كلمة المَلِكِ... وإنْ كنتُ أَكْرَهُ أن أُكْرِهَكُمْ على غير ما تحبّون!
(شاب مضطرب قسمات الوجه يشقّ الجمع نحو هنيبعل.)
الشاب: كيف ينجو فتى الوشاح الأحمر ولم يَنْجُ الذي طُعِنَ بخنجره!؟ وكيف يكون العدلُ في هذا وذاك؟
هنيبعلْ: ما الذي تقول؟ ألم يَنْجُ من شرّ الطعنة الحارسُ الأمين؟
الشاب: عميقاً كان الجرحُ في صدره. تأوّه ثم استطالتْ تأوّهاتُه حتى النفس الأخير.
(يشقّ المتحلّقين حول هنيبعل رجالٌ وشبابٌ يحملون جثّة الحارس. يضعونها برفق على الأرض.)
هنيبعلْ: وانُبْلاَهُ نُبْلاَهْ ! واخسارتاهْ ! ليتَه لم يبذلْ حياتَه فداءً لحياتي، وأنا القائدُ المسؤولُ عن حياته.
رجل: بل اكتسبتْ حياتُه قيمتَها الأسمى ببذلها لفدائكَ!
هنيبعلْ: فَلْنُؤَدِّ له واجبَ الشكر لشجاعته وواجبَ الاحترام لموته... فَلْنُطَأْطِيءْ رؤوسَنا أمام رَيَعَانِ جثّته ونتأمّلْ في صمتٍ عميقٍ شؤونَ الحياة والموت.
(الجميع يتحلّقون الآن حول الجثّة مطأطئي الرؤوس وقد خيّم الصمت على المكان. بعد لحظات يرفع هنيبعل رأسه، يتأمّل الناس من حوله لحظات، ثم ينظر إلى الجثّة ويهزّ رأسه هزّات خفيفات متتاليات.)
هنيبعلْ: مثلما الطائرُ الخَطَّافُ على حين غفلةٍ يستلُّ الفريسةَ من وجودها، فكذلك مِنْجَلُ الأيامِ والليالي تلتفُّ اْلتواءةُ شفرتِهِ على الأنفاسِ، تبغتُها بين شهيقٍ وزفيرٍ، فلا شَفَةٌ تحدّث رئةً ولا رئةٌ شَفَةً، ويمحّي القَبْلُ والبَعْدُ ويستشري السكونُ... السكونُ الذي هو الفراغُ الكبيرُ، الزمنُ الذي يكون فيه الذي يكون والذي لا يكون. وحياتُنا، حياتُنا كلّها، معركتُنا الخفيّةُ مع هذا الفراغ الكبير.
هَارْمونِيَا: مُلْهَمٌ صمتُكَ، كما هي كلماتُكَ... مُلْهَمَةٌ مُلْهَمَةٌ. فما أَبْلَغَهُ وما أَبْلَغَها!
هنيبعلْ: بل أبلغُ منّا جميعاً رَيَعَانُ الجثّةِ المسجّاةِ أمامنا. إرفعوا عن الأرضِ هذا الموتَ الذي لم يفارقْ ريعانَه!
جنديّ: أنحمله إلى خيمةٍ وننتظر عودتَكَ إلينا من مجلس الشيوخ لترى رأيَكَ في وداعنا إيّاه؟
هنيبعلْ: بل غطّوا وجهه برداءٍ طَهورٍ، وضعوا على رأسه إكليلَ الغارَ هذا، ثم احملوه بعيداً بعيداً عن مطرحِ الجندِ، ثم في غفلةٍ عن أعينِ الجندِ والليلِ، حينما الليلُ يسودُ، غيّبوه في عباءةِ الأرضِ، عباءةِ كلّ الفصولِ، حتى لا يستشعرَ حاضرُهُ مستقبلَه!
(يحمل الجنود الجثّة ويمضون بها. الرجال والنساء عيونٌ تتقلّب بين حَمَلَةِ الجثّة وهنيبعل.)
هَارْمونِيَا: حُلُمي قَدَرُكَ القمريّ، يا هنيبعل، كما أنتَ له قَدَرٌ. فإنْ يكنْ حلمي رؤيا ابْتُدِعَتْ لأجلكَ، فإنها ما كان لها أن تكونَ لو لم تكنْ أنتَ لها قَدَراً!
هنيبعلْ: إذنْ فَلْأَمْضِ في سبيلي إلى مجلس الشيوخ حيث إن لم أجدْ طريقاً لِقَدَري الذي أتمنى، فسأبتدع له من خيالي طُرُقاً وطُرُقاً! أستودعكم أحلامَكم ثانيةً يا رجالَ ونساءَ قرطاج... ولْتتذكّروا، لحظةَ تُغيّبني عنكمُ المسافةُ، أنَّ هنيبعل يَكْرَهُ أن يُكْرِهَكُمْ على غير ما تحبّون! وداعاً وداعاً.
(بينما يمضي هنيبعل ليغيب مع موكبه في أقصى يسار الشارع، تتجلجل في الفضاء أصواتُ الناس هاتفةً بإسمه الذي وكأنه صار كلَّ الأسماء والكلمات.)
المشهد الثالث
(مجلس الشيوخ: أحاديث وحوارات تنبض بروحِ الجدل. فجأة تتسرب إلى القاعة هتافاتٌ حماسيّة سرعان ما تقلّص مدى الحديث والحوار حتى تلغيه تماماً. الهتافاتُ تقترب شيئاً فشيئاً.)
هَاّنو: هتافاتٌ هجينةٌ ومريبةٌ! ما الذي يجري في شوارع قرطاج؟
مَاچو: لا هجينةٌ ولا مريبةٌ، بل هتافاتٌ تشعُّ بالحماس والفرح!
هَانّو: علام الحماسُ؟ وعلام الفرحُ، ومنذ هنيهةٍ غادَرَنا الوفدُ الروماني بعد أن قَدَّمَ إلينا هديّةَ الوعدِ بالحرب؟! خوفي أن يكون الناسُ اعترضوا الوفدَ وارتكبوا بحقّه حماقةَ الحماقات.
(فجأة يدخل بَارْسِدْ، عضو في مجلس الشيوخ، وقد غلب عليه الحماس الجارف.)
بَارْسِدْ: رأيتُه بعينيَّ هاتيْن!
هَانّو: رأيتَ ماذا؟ رأيتَ مَنْ؟
بَارْسِدْ: هنيبعلْ! موكبَه الذي كنهرٍ هدّار!
هَانّو: يأتي إلينا بموكب؟! يا لَسوء توقيتِهِ وسوءِ سلوكه! كان عليه أن يوافينا قبل دخول الوفد الروماني علينا، ولكنّه، كعادةِ أبيه من قبله، ظَلَّ يماطلُ ويسوّفُ حتى أوقعنا في حتميّة الحرب.
بَارْسِدْ: لم يماطلْ ولم يسوّفْ، بل هو مغلوبٌ على أمره، فأمواجُ الناس تتلاطمُ في الشوارع حوله، تحيّي فيه حلمَها بالبطولةِ، وتسدُّ عليه الطريقَ بأغاريد النصر...
هَانّو: حلمُها بالبطولة! أيَّ بطولة؟ أغاريدُ النصر! أيَّ نصرٍ هو؟ لا تحدّثْني عن أصواتِ الجماهيرِ، فما هي إلاّ فقاعاتٌ فارغةٌ، فرقعةُ حماساتٍ لخيالاتٍ خاوية.
مَاچو: مهلكَ! مهلكَ! الجماهيرُ التي هي سواعدُ قرطاج، رئتُها، نبضُ الحياةِ فيها، أَلَمْ تَعُدْ تستأهلُ منكَ أكثرَ من كلماتِ استهزاء؟
هَانّو: لا! لا! أنا لا أستخفُّ بالجماهير، ولكنّي لا أستريحُ إلى أصواتها. ما هو مفهومُها للبطولة؟ ما هو مفهومُها للنصر؟ الجماهيرُ أسيرةُ اللحظة. الحاضِرُ عالَمُها. ليس بمقدورها أن ترى أنَّ انتصاراً في معركةٍ قد يؤدي إلى خسارةِ الحرب، وأنَّ فرحةَ اليوم قد تكون الطريقَ إلى حسرةِ الغد.
بَارْسِدْ: كراهيتُكم لهنيبعلْ كَرَّهَتْكُمْ بجماهيره.
(ترتفع بعض الأصوات تطلب من بَارْسِدْ أن يلزم الصمت. ترتفع أصوات أخرى مندّدةً بسياسة كتم الأصوات.)
هَانّو: لطفاً! لطفاً! أيها الشيوخُ النبلاءُ، وهُدُوَّاً هُدُوَّاً! لا مكان للكراهية في هذا المجلس. كلُّ ما في الأمرِ رأيٌ مخالفٌ لرأيٍ. وحذارِ حذارِ من فتنةِ التذبذبِ بين بين. إنّ احتدامَ الشقاقِ في الرأيِ بين البَارْسِدِيّينَ والنبلاءِ الأُخَرِ سيكون سُلَّمَ ضعفِنا الذي سَتَرْقى درجاتِه إلى سدّةِ الإستبدادِ قَدَمَا هنيبعلْ. ولَكَمْ هما رشيقتانِ قدماه!
مَاچو: رشيقتانِ إلى قهرِ العدوِّ في ساحةِ المعركةِ قدماه. الإستبدادُ هو ما تَسْعى إليه أقدامُ حسّاده ومُتَّهِميه!
(هتافاتُ الموكب خارج القاعة تتوحّد الآن بصيغةِ كلمتيْن: "هنيبعلْ مَلِكُنا" و "مَلِكُنا هنيبعلْ". كلُّ العيون في المجلس تتّجه نحو الباب العريض لتشهد وصولَ هنيبعلْ، الذي يتوقّف لحظةً ويشير إلى مرافقيه بالبقاء حيث هم. يدخل قاعةَ المجلس ويتوجّه مباشرة صوب هانّو.)
هنيبعلْ: دعوتموني ولَبَّيْتُ.
هَانّو: بَلِ استدعيناكَ فماطلتَ وسوّفتَ.
هنيبعلْ: حتى وإنْ أكنْ ابنَ هَمِلْقَارْ بَرْقَهْ، فالإنتقالُ من إسبانيا إلى الشمال الإفريقي محالٌ له أن يتمَّ بسرعةِ البرق!
هَانّو: تَلاَعُبُكَ بالكلماتِ لن يعفيكَ من مسؤوليةِ تأخّركَ في المثول أمام مجلسنا.
هنيبعلْ: وها أنذا ماثلٌ أمام مجلسكم، فَاسْتَكشفوا قلبي يكشفْ لكم ولاءَ خفقانه، وَاسْتَنْطقوا لساني ينطقْ لكم بصدق مقاله.
هانّو: أمّا قلبُكَ فَمُغَيَّبٌ عَنَّا، وأمّا لسانُكَ فشاهداً سيكون عليكَ!
هنيبعلْ: لا يُغَيِّبُ قلبي عنكم إلاّ متاهاتُ مَظَنَّاتكم، وأمّا لساني فلن يكونَ إلاّ شاهداً لي، لا عليَّ.
هَانّو: قُلْ لنا إذنْ، يا قائدَ الجيش، أأنتَ ولّيتَ نَفْسَكَ قيادةَ جيشنا في "قرطاج الحديثة" أم هذا المجلسُ ولاّكَ؟
هنيبعلْ: أَمِنْ أجلِ هذا السؤالِ دعوتموني للمثولِ أمامكم؟
هَانّو: من أجلِ أمورٍ كثيرةٍ استدعيناكَ. لا تماطلْ ولا تسوّفْ، بل أجبْ: أأنتَ ولّيتَ نَفْسَكَ قيادةَ الجيش أم نحن الذين ولَّيناكَ؟
هنيبعلْ: كنتُ أتمنى لو أنكَ لم تُعِدْ طرحَ السؤال. أمّا وقد فعلتَ، فلساني ملزمٌ بالمجاهرةِ بالحقيقة التي أخشى أن تسبّب لبعض هذا المجلس حَرَجاً.
هَانّو: وحدَها مداوراتُكَ التي تسبّب لهذا المجلس حَرَجاً، أيَّما حرجٍ! في ساحة المعركة لكَ أنْ تلجأَ إلى تكتيكاتكَ المضلِّلَةِ لخصمكَ، أمّا هنا فسلاحُكَ الوحيدُ الحقيقةُ.
هنيبعلْ: خُذْها إذن من لسانٍ مبين. الحقيقةُ أَنْ ليس أنا مَنْ ولّيتُ نفسي قيادةَ الجيش. كما أنه ليس أنتم. حالَ اغتيالِ هَسْدْرُبَالْ، بايَعَني أفرادُ الجيش قائداً لهم. ثم صادق "مجلس الشعب" على مشيئةِ الجيش.
هَانّو: تظّنُ مشيئةَ الجيشِ فوق مشيئةِ "مجلس الشيوخ" ؟
هنيبعلْ: لا تُلْبِسوني ظنونكم. سألتُموني الحقيقةَ، والحقيقةُ وَافَتْكُمْ.
هَانّو: إن كنتَ تحسبُ أنّ إرادَتكَ قَدَرُكَ، فَلْتَعْلَمْ مِنَّا أنّ إرادةَ قرطاج، المتمثّلةَ بهذا المجلس، قَدَرُها. فأيُّ القدريْن، في رأيكَ، ينبغي له أن يكون للآخر قدراً؟
هنيبعلْ: الأقدارُ مسألةٌ آلهتُنا أعلمُ بها مِنَّا. ولكنّي أقول: محالٌ سَلْخُ إرادةٍ من إرادةٍ، فالجيشُ الذي أقوده أنا والمجلسُ الذي تديرونه أنتم توحّدهما حاجةُ قرطاج إلى كليْهما وحاجةُ كلٍّ منهما إلى الآخر.
هَانّو: ظاهرُ كلماتك يوهم بالحقّ. الأُذُنُ تسمعُ والعقلُ يَزِنُ ويرجِّحُ. والحقُّ الحقُّ أنّ قرارَ الحربِ والسلمِ، في نظامنا السياسي، يرتبط بإرادة هذا المجلس، لا بإرادةِ فردٍ مُفْرَدٍ كائناً ما كان نَسَبُهُ ومهما عَلَتْ به رُتْبَتُه. وأنتَ، ياهنيبعلْ، تتنكّرُ لهذا المبدأ الحكيم من نظامنا السياسي. وحدكَ، وحدكَ، وليست روما...
(الشيوخ الموالون لهنيبعل يضجّون بصيحات الغضب والإستنكار. والشيوخ الموالون لهانّو يهتفون محبّذين لما قاله في شأن هنيبعل. هرج ومرج لا تقطعه إلاّ الهتافاتُ الحماسية الهادرة لجموع الناس خارج قاعة المجلس.)
هَانّو: هل سمعتم؟ هل تسمعون، يا شيوخَ قرطاج ونبلاءَها، صيحاتِ البسطاءِ المضلَّلين تلوّث أجواءَ شوارعنا، وتتسلّل إلى مجلسنا، تحاصرُ فيه أنفاسَ الحريّة؟
بَارْسِدْ: ليستْ حِكْراً على رئةِ النبلاءِ أنفاسُ الحريّة. البسطاءُ الذين تصمّ أذنيْكَ صيحاتُهم أحراراً مثلكَ وُلِدوا.
مَاچو: وشرائعُ قرطاج تضمن لهم نعمةَ الحريّة. أليس مجلسُ الشعب تجسيداً حيّاً لذاك؟
هَانّو: وهل، في رأيكم، تتساوى حريّةُ الجاهلِ المضلَّلِ وحريّةُ العالِمِ؟
بَارْسِدْ: وهل، في رأيكَ، النبلاءُ وحدهم أهلُ العلمِ، وسواهم من الناس بسطاءُ ومضلَّلون جَهَلَةٌ؟
هَانّو: أليست صيحاتُ الشارعِ مناديةً بهنيبعل مَلِكاً على قرطاج تهدّد طبيعةَ نظامنا السياسي؟ وإذَنْ فهل تُسَمَّى الصيحاتُ تلكَ أنفاسَ الحريةِ المسؤولةِ؟
مَاچو: الحريّةُ ليستْ ذاتها إذا واكَبَها الخوفُ من تلقائيّةِ ذاتها.
هَانّو: كلماتٌ! كلماتٌ! ماذا تنفعنا الكلماتُ إذا اخْتَلَّ التوازنُ في نظامنا السياسي؟
بَارْسِدْ: إذنْ فالحلُّ الأجدى هو في محاورةِ الجموعِ التي تهتف بهنيبعلْ ملكاً، فَتَجْهيلُها إعدامٌ لمبرّرِ الحريّة.
هَانّو: كلماتٌ! كلماتٌ! الحلُّ الأجدى هو تفسير هنيبعلْ نفسه لهذا الطاريءِ الغريبِ الذي طَرَأَ على جموع الناس.
هنيبعلْ: الناسُ مُلْكُ أنفسهم. حماسُهم فَيْضُ قلوبهم. كلماتُهم صدى أفكارهم. هذا كلّ ما يعرفه هنيبعلْ.
هَانّو: ومَنْ أشعلَ في رؤوسهم فكرةَ تتويجكَ ملكاً؟
هنيبعلْ: حماستُهم على ما أظنْ.
هَانّو: على ما تظنّ! بل هي الحماسةُ المضلَّلَةُ التي أوقدتْها الوسوساتُ التي تبثّها، بإيحاءٍ منكَ، أفواهُكَ المستترةُ. وما أكثرَها الأفواهَ المستترةَ في جيل الشباب.
هنيبعلْ: لو كانت أفواهُهم وأفواهُهنّ مستترةً لما كنّا سمعْنا الذي سمعْناه... ونسمعه الآن.
(أصوات الجموع خارج القاعة تهدر من جديد بإسم هنيبعل ملكاً. لحظات ثم تخفت الأصوات.)
هَانّو: إِنْ هي إلاّ أفواهُكَ المستترةُ بأصوات المضلَّلين والمضلَّلات.
هنيبعلْ: إِسألْ عيونَكَ المبثوثةَ في الشوارع تُنْبِئْكَ كيف أَنْكَرَ هنيبعلْ على محبّيه خَلْعَهُمْ إِسْمَ الملكِ عليه. أم أنّ لعيونكَ هدفاً غير التلصّصِ على أفكار الناس؟
هَانّو: أيَّ هدفٍ تعني؟
هنيبعلْ: تعرف بالضبط الذي أعنيه.
هَانّو: تذبذبُ كلماتِكَ توريةٌ لظنونكَ.
بَارْسِدْ: تَجَاهُلُكَ لما حدث في الشارع هو البراءةُ المريبةُ!
هَانّو: تلمِّحُ إلى ذلك الشاب الذي حاول إيذاء هنيبعلْ؟
بَارْسِدْ: بل حاول اغْتيالَه.
هَانّو: كائناً ما كانت طبيعةُ المحاولةِ، فلا شأن لهذا المجلسِ بتهوّرِ المتهوّرين. (لهنيبعل) المجلسُ اسْتدعاكَ لتجيبَ عن أسئلته، فَأَجِبْنا وبدون مواربة: أليس قرارُ الحربِ والسلمِ من خصائص هذا المجلس؟
هنيبعلْ: لا يختلف على ذلك اثنان.
هَانّو: أَوَ ليس حصارُ مدينةٍ ما قراراً يتضمّن إعلاناً للحرب؟
هنيبعلْ: هو بالتأكيد كذلك.
هَانّو: إذن كيف تفسّرُ حصارَكَ لمدينةِ Saguntum دون الرجوع إلى هذا المجلس؟
هنيبعلْ: قرارُ الحربِ والسلمِ في جوهره قرارٌ سياسي. ولكنْ للزمنِ حساباتٌ أخرى.
هَانّو: أيَّ زمنٍ تعني؟ وأيَّ حساباتٍ أخرى؟ قوانينُ قرطاج واضحةٌ وضوحَ الشمس، ثابتةٌ ثبات الجبال.
هنيبعلْ: ثباتُ القوانينِ لا يلغي تأرجحَ الأزمنة.
هَانّو: هل سمعتم، يا شيوخ قرطاج ونبلاءَها، بشيءٍ يُسَمَّى تأرجحَ الأزمنة؟ هنيبعل يفتح فصلاً جديداً يضيفه إلى ثقافتنا السياسية! هل سمعتم؟ هل تسمعون؟
هنيبعلْ: هنيبعل لا يجيد مثلكم، أيّها الشيوخُ النبلاءُ، فنَّ السياسة. وهو كذلك ينحني إجلالاً لمعرفتكم بالقوانين: جوهرِها وحيثيّاتِها. هنيبعل قائدُ جيشٍ لا أكثر ولا أقلّ. وهذا المجلسُ، بالإضافة إلى مجلس الشعب، مرجعُه الأوّلُ والأخيرُ. ولكنْ كما أنّ الطبيعةَ التي تهبنا الحياةَ تناقض نفسَها فتجلبُ علينا رعبَ الزلازلِ والفيضاناتِ وحتميّةَ الموت، فكذلك هي الإستراتيجياتُ التي تعتمدها الأمم المتناحرةُ. معاهدةُ الصلح بين روما وقرطاج إستراتيجيّةٌ سياسيّة بلا أدنى ريب. ولكنّ المعاهدةَ التي أبرمتْها روما مع Saguntum ، القائمةِ على حدودِ "قرطاج الحديثة"، هي إستراتيجيةٌ عسكريةٌ بإمتياز. هي إعلانٌ مبطّنٌ للحرب على مصالحنا. أقول: إنّ روما خرقتْ معاهدةَ الصلح معنا بمعاهدةٍ خبيثةِ النوايا أبرمتْها مع سوانا للحدّ من إزدهار مصالحنا في إسبانيا. حصارُ جيشنا لـِ Saguntum هو بمثابةِ المعاملةِ بالمثلِ. تَوَسُّعُ سلطانِ روما يقابله هنيبعلْ بسلطانِ حصارِنا للمدينةِ التي أصبحتْ عمليّاً تخضع لهيمنة روما. هكذا هكذا تتأرجحُ بنا الأزمنةُ، وهكذا هكذا نُوازِنُ تأرجحاً بتأرجح.
هَانّو: لو سَلَّمْنا جَدَلاً بصوابيّةِ رؤيتكَ للأمور، أَفَمَا كان من حقّ هذا المجلس عليكَ أن ترجعَ إليه لأخذِ مشورته في الأمر قبل تسييرِ الجيشِ لحصارِ المدينة؟
هنيبعلْ: وتلك حقيقةٌ أخرى لا ينكرها هنيبعلْ.
هَانّو: إذاً لماذا لم تفعلْ؟ لماذا تَفَرَّدْتَ بإتّخاذِ قرارِكَ؟ لو كنتَ خَفَضْتَ لقرطاج جناحيْ مودّةٍ وولاءٍ، لكنتَ وفّرتَ علينا غضبَ روما، ومستقبلاً، ربّما، عداوةَ اليونان؟
هنيبعلْ: كيف لا أكون خفضتُ لقرطاج جناحيْ مودّةٍ وولاءٍ، وكلُّ جهادي في إسبانيا إنما هو لتعزيزِ مجدِ قرطاج وإثراءِ اقتصادِها؟
هَانّو: كلُّ ما تفعله في إسبانيا يتمحورُ حول نفسكَ، حول مشيئتكَ وأحلامكَ. أنتَ في إسبانيا تتزعّمُ وحدكَ حاضرتَنا الجديدةَ، وحدكَ وحدكَ! فإن كنتَ حاولتَ مَجْداً أو ظفرتَ به، فما جنيتَ، ولن تجنيَ، بعقوقكَ قرطاج الأمّ، من ثمنٍ يغنيكَ عنّا.
هنيبعلْ: لا غنىً لهنيبعلْ عن قرطاجنا الأمّ، فهي المرجعُ لنا والوطنُ. ولكنّ بُعْدَ المسافاتِ يفتح لخيالكَ كُوىً تتحدّرُ منها صُوَرٌ أشبه ما تكون بالأوهام. وما أفسحه المدى بين إسبانيا وقرطاج. تتّهمني بأباطيل الظنّ، ولعلّني أجدُ لكَ العذرَ في ظنونكَ. عُذْرُكَ ظنونُ المسافة.
هَانّو: كلماتٌ! كلماتٌ!
هنيبعلْ: لو أنكَ كنتَ أبصرتَني أكابدُ تدريبَ الجيش ليل نهار، محمِّلاً إياه مشقّةَ كلّ الفصول، حتى لا يَعْتَوِرَ روحَ جنودِهِ الوهَنُ، ولكي يظلَّ على الجهوزيّةِ القصوى لتلبيةِ نداءاتكم هنا في قرطاج لقمعِ تمرّدِ القبائلِ الإفريقيةِ التي لا تزال تراودها أحلامُ التطاولِ على أمن قرطاج... ولو أنكَ أبصرتَني أُشْرِفُ على المناجم التي من نتاجها أزوّدُ قرطاج بالمعادن التي منها تُصَكُّ عِمْلَةُ قرطاج... لو أنكَ، ولو أنكَ، ولو أنكَ... لكنتَ رأيتَ فيَّ غيرَ ظنونكَ، ولكنتَ أيقنتَ أنّ "قرطاج الحديثة" ليست وطني، وأنّ مجدَ قرطاج الأمّ وأَمْنَها هما وطنُ العقلِ والروحِ منّي.
هَانّو: لن تغمضَ فضفاضيّةُ كلماتكَ عيونَنا عن حقيقتيْن جارحتيْن: بحصارِكَ لـِ Saguntum، أوقدتَ حرباً علينا وَبَالُها، وبإستخراجكَ معادنَ الأرضِ، إنكَ لجامعٌ كنزاً لنا الغَثُّ من ثمينِ قيمته. تَصُكُّ عِمْلَتَكَ في إسبانيا بخالصِ الفضّةِ، وتَمْنُنْ علينا بالرديء من معادنها! أَوَ تجرؤ على تكذيبِ هذا المجلس؟
هنيبعلْ: عجباً! عجباً! للمرة الأولى... للمرة الأولى أقول... روما تنشيء أسطولاً بحريّاً لمنازلةِ أسطولنا الذي مَكَّنَ لقرطاج أن تكون سيّدةَ البحار زمناً طويلاً طويلاً، ونحن هنا نهدرُ الوقتَ في هذا الجدل العقيم. أما آن لنا جميعاً أن نرى أنّ شهيّةَ روما للتوسّعِ، برّاً وبحراً، لا تلجمها معاهداتُ الصلحِ، وأنّ تذبذبَنا في اتّخاذِ القراراتِ الحاسمةِ لحمايةِ وجودنا يُسَعِّرُ تلك الشهيّة؟
هَانّو: نحن متَّهمون بخيانةِ شرفِ العهدِ وشرفِ الكلماتِ. وحده إلتزامُنا بمعاهدةِ الصلح كفيلٌ بإسْتجلابِ السلام.
هنيبعلْ: شهوةُ التوسّع غريزةٌ تحرّك مجرى التاريخ...
هَانّو: فَلْنَلْجُمْ شهوتَكَ أوّلاً قبل أن نطالبَ الآخرين بذاك.
بَارْسِدْ: من يلجمْ تلك الغريزةَ في كيانه يمنحْ خصمَه فرصةَ التفوّق عليه.
مَاچو: اليومَ روما على تماسٍّ مع "قرطاج الحديثة" في إسبانيا، فما الذي يمنع أسطولَها الحربيّ غداً من محاصرة موانيء قرطاج الأمّ هنا، ههنا، في الشمال الإفريقي؟
بَارْسِدْ: وما الذي يمنع سنابكَ خَيْلِها أن تقرعَ أجراسَ الذّلِّ في شوارعنا؟
مَاچو: يمنعها فقط محاصرةُ جيشِنا لمحميّاتها في إسبانيا.
بَارْسِدْ: أليس هذا ما يبرّرُ لهنيبعل حصارَه لـ Saguntum ؟
هَانّو: أفواهُكَ المضلَّلَةُ، يا هنيبعل، لن تعلو أصواتُها فوق أصواتِ شيوخِ روما المدوّيةِ بطبول الحرب.
هنيبعلْ: أرى في تَلوِّياتِ كلماتِكَ طَيْفَ تَهَادُنٍ بين من تمثّلهم في هذا المجلس وبين شيوخ روما.
هَانّو: أَوَ ليس التهادنُ ضرورةً دبلوماسيةً بين المتخاصمين؟ وإن يكنْ في حسبانكَ خطيئةً، فإنها لا تَرْقى إلى مستوى خيانةِ الذين خانوا قوانينَ الحرب والسلم التي سنّتْها قرطاج.
هنيبعلْ: تخوّنني؟! أنا؟! لا ريب أنكَ فقدتَ القدرةَ على التمييز بين الجراءةِ والتطاول. تأكّدْ ثم تأكّدْ، وعلى ثقةٍ كنْ دائماً، أنّ الزمنَ وحده سيكشفُ الوجهَ الآخرَ للخيانة.
هَانّو: تُسَمّي التهادنَ خيانةً؟
هنيبعلْ: بل أسمّي النوايا التي خلف التهادنِ الوجهَ الآخرَ للخيانة.
هَانّو: أنتَ نشأتَ في مخيّمات التدريب، ولذلك لا تفقه من علم السياسة شيئاً.
هنيبعلْ: حسبي من العلم ضلوعي في فقه النوايا.
هَانّو: ما يضيرُنا ليس تسفيهُكَ لنوايانا، ولكنْ طبولُ الحربِ التي تشقّ سماءَ روما... الطبول التي لن يُسْكِتَها إلاّ... ربما... تسليمُكَ نفسكَ لقادة روما.
بَارْسِدْ: يسلّم نفسَه لروما؟! تتخلى عن بطلها قرطاج؟!!
مَاچو: بل عزّةُ قرطاج تأبىّ! وتأبى آلهةُ قرطاج!
هَانّو: ومجلسُنا كذلك يأبى! مجلسُنا لم يَعِدِ الرومانَ بشيء.
بَارْسِدْ: حتى الآلهةُ سئمتْ من لفّكَ ودورانكَ! ما الذي تعنيه؟ ما الذي يدور في رأسكَ؟ تحاول الإيحاءَ لهنيبعل أن يسلّمَ نفسَه من تلقاء نفسه؟ أُضْحِيَةً على مذبحِ أنانيّتك؟
هَانّو: أَبْحَثُ عن حلٍّ لمعضلةٍ لم يتسبّبْ بها إلاّ هو. ولكنْ مهلاً.. مهلاً... لأتأكّد مّما أراه... أليس الذي هناك... أعني أَحْكَمَ نبلائنا... الشيخَ أَبْجَدْ... أليس يشير إليَّ برغبته في الكلام؟... شيخَنا الجليلَ، الكلمةُ لكَ، فَأَعِنّا بحكمةِ أعوامكَ النبيلةِ على إنقاذ قرطاج من لعنةِ حربٍ بَارْسيدِيَّةٍ جديدة.
(بخطى بطيئة يتقدّم إلى الأمام الشيخ أَبْجَدْ، مكلَّلَ الرأس بشيب ناصع البياض. يتوقف بين هَانّو وهنيبعلْ. ينقّل عينيه بينهما للحظات. تنفرج شفتاه عن تأوّهات ضعيفة ثم يخاطب هنيبعل.)
أَبْجَدْ: يَا ابْنَ السلالةِ العريقةِ... يا ابْنَ هَمِلْقَارْ الذي أضاءتْ سماءَ إسبانيا وسماءَ قرطاج إلتماعاتُ بَرْقِهِ... هَمِلْقَارْ الذي تسلسل إلينا به الزمنُ حفيداً لدم أليسّا، دَمِ قدّيسةِ الشهداءِ... اليومَ يلتفتُ التاريخُ إليكَ وإليه وإليها... فلا تُنَغِّصَنَّ على التاريخِ لحظةَ اسْتحضارِهِ لثلاثتكم، ولا تُخَيِّبَنَّ ظنَّه في شجاعةِ فدائكم... ولا أحسبنّكَ من الفاعلين. أليسّا افْتَدَتْ قرطاج بدمها حينما هجرها الحبُّ وحاصرها رجالُ السياسةِ وكهّانُ المعابدِ... إسْتَلَّتْ بيدها روحَها من جسدها لِتَفُكَّ عن المدينة التي كانت أنشأتْها حصارَ المتحالفين عليها من أعداء الداخل والخارج... هَمِلْقَارْ اغْتالتْه يَدُ الخيانةِ... الخيانةِ التي هي أدهى أعداء الممالكِ. واليومَ تقفُ أنتَ وحدكَ، يا هنيبعلْ، مِلْءَ عينِ التاريخِ ومِلْءَ عيونِ قرطاج، فكيف تتمنّى لنفسكَ أن تَراك تلك العيونُ؟
هنيبعلْ: يوجعُني نُبْلُ مقصدِكَ، يا حاملاً على كتفيْكَ عبءَ التاريخِ. ويؤلمني وَجَعي بقداسةِ اللحظةِ... يؤلمني إلى حدّ الموت.
أَبْجَدْ: إذن لا غضاضةَ في أن تستلهمَ البطولةُ قَدَرَها.
هنيبعلْ: ولا غضاضةَ في أنْ لا تهدرَ البطولةُ ذاتها جزافاً جزافاً.
أَبْجَدْ: وهل أهدرتْ أليسّا بطولتَها جزافاً؟
هنيبعلْ: أليسّا كانت أُحيطَ بها من كلّ صوب... حتى لم يَبْقَ لها إلا الخيارُ الأَدْهى.
أَبْجَدْ: هو الخيارُ الأدهى الذي حرّر قرطاج من وحشيّة الحصار... كما حرّر أليسّا من ذلِّ الإستسلام والعار.
هنيبعلْ: هنيبعلْ يدركُ أنّه أُحيطَ به من كلّ صوب... من الداخل والخارج... ولكنْ لهنيبعلْ رؤيةٌ مُلْهَمَةٌ للبطولةِ والتاريخ.
أَبْجَدْ: إن كان في ذلك خلاصُ قرطاج، فهيّا أَمِطِ اللثامَ عن إلهامِ رؤيتكَ.
هنيبعلْ: البطولةُ خيارٌ وليستْ قَدَراً. حينما تكون قَدَراً تُلْغي حريّةَ الإختيار. وحيثما تُلْغى الحريّةُ، تُلْغى معها البطولةُ.
أَبْجَدْ: يعني كلامُك أنّ بطولةَ أليسّا لم تكن نتيجةَ حريّةِ الإختيار؟
هنيبعلْ: أليسّا كانت مجبورةً في اخْتيارها. بطولتُها كانت قَدَراً لا اخْتياراً؟
أَبْجَدْ: وأنتَ... أنتَ.. كيف ترى نفسكَ؟
هنيبعلْ: حرّاً لا أزال.
أَبْجَدْ: وأيَّ قَدَرٍ تختاره لكَ حُرِّيَتُكَ؟
هنيبعلْ: قَدَرَ اللاهروبِ... قَدَرَ اللا تخلّي عن مسؤوليةِ قيادتي للجيش الذي سيشتّته نَبَأُ الخيارِ الأدهى... لو أنني اتَّخذتُ ذيّاكَ الخيار... لا! وألف لا! فَإحْتمالُ خسارتنا لسهولِ الخيراتِ ولخيراتِ المناجم في إسبانيا هو الإنتحارُ الفعليّ، بل الإنتحارُ الجماعيّ، بل التخلّي لروما عن كلّ المكتسباتِ التي جَنَتْها لقرطاج الأمّ "قرطاجُ الحديثة". هنيبعل حرّاً لا يزال. وها هي نداءاتُ الجيشِ من هنالك، من حاضرةِ عزّنا، تلاحقني أصداؤها أَنْ عُدْ إلينا، يا هنيبعلْ، وعُدْ سريعاً، فإمداداتُ روما لSaguntum ستنتهبُ منّا زعامتَنا لإسبانيا.
هَانّو: إحذروا حكايةَ أصداءِ النداءاتِ، يا شيوخَ قرطاج ونبلاءَها. إحذروا حكايةَ الإلهاماتِ والرؤى، فهي التي ستحوِّلُ هنيبعل من قائدٍ للجيشِ إلى مشروعِ إله.
(الهتافات الحماسيّة المناديةُ بهنيبعل ملكاً تندلع من جديد خارج القاعة. يتزامن ذلك مع تدافعٍ، ببابِ القاعةِ، بين بعضِ الجنودِ من حرسِ المجلسِ وجوقةٍ من الشابات والشباب تتوسّطهم هَارْمونْيا، شامخةً بقامتها التي لها هيمنةُ السحر على كلّ مَنْ حولها. تنهض هَارْمونيْا بيديْها إلى أعلى وكأنّما في حالةِ ابْتهالٍ، وتنهض بها عيناها وكأنما نحو السماء التي يحجبها سقفُ المجلس. وقوفُها على هذه الهيئةِ يَهيبُ بالأصواتِ أن تنسحبَ إلى الحناجرِ التي كانت منها انْطلقتْ، فإذا المكانُ كلّه، داخل القاعة وخارجها، يَريمُ عليه سكونٌ مهيبٌ).
هَانّو (قاطعاً السكون المهيب): أَتَرَوْنَ الذي أرى، يا شيوخَ قرطاج ونبلاءَها؟ هي ذي الفوضى التي سَعَّرَتْها الأفواهُ المضلَّلةُ لهنيبعل. شوارع قرطاج تجتاح مجلسَكم. وبأيّةِ ذريعةٍ تجتاحه؟ بذريعةِ الحريّةِ... الحريّةِ المضلَّلةِ التي حذّرتُكم منها.
هَارْمونْيا: بل هي السماءُ التي انْدَلَقَتْ من خلف الغماماتِ إليكم أنفاسُها...
هَانّو: حُرْمَةُ ثوبكِ الكهنوتيّ مكانُها المعبدُ وحده. فكيف سَمَحَ لكِ الحرسُ بإنتهاكِ حُرْمَةِ مجلسنا؟
هَارْمونْيا: أنفاسُ السماءِ انْسياباتٌ لا تحدّها أمكنةٌ ولا أزمنةٌ.
هَانّو: شرائعُ قرطاج فَصَّلَتْ تَمايُزَ السلطاتِ واستقلالَ إحداها عن الأخرى، فذلك وحده يضمن التوازنَ في نظامنا السياسي.
هَارْمونْيا: لمجلسكم حَرَسُهُ وللسماءِ حرّاسُها. لمجلسكم قوانينُه وللسماءِ تعاليمُها. وجودُكم تتصرّف به أمزجةُ الأزمنةِ. أمّا السماءُ فثابتةٌ ومطلقةٌ حكمتُها.
هَانّو: وتزعمين أنّ كاهنةَ المعبدِ، التي يخضع جسدُها لقوانينِ الولادةِ والنموِّ والهرمِ والموتِ، قادرةٌ على الإحاطةِ بطبيعةِ الثابتِ المطلقِ؟
هَارْمونْيا: ليس من سِمَةِ المحدود أن يحيطَ بالمطلقِ. ولكنْ من امْتيازاتِ المطلقِ أن يحيطَ بالمحدودِ، أنْ يخترقَه بالأنفاسِ التي هي مشيئتُهُ له.
هَانّو: هو ذا الإختراقُ الذي كنتُ أحذّركم منه، يا شيوخَ قرطاج ونبلاءَها. الكاهنةُ تكاد توحي إليَّ وإليكم أنّها جاءتْ تحمل مشيئةَ السماء إلينا.
(تعلو أصواتُ بعض الشيوخ معترضةً على وجود هارمونيا ومصرّةً على إخراجها من قاعة المجلس)
بَارْسِدْ: بل نصرُّ على معرفة السرّ الذي أتى بها إلينا.
هَانّو: لا سرَّ فوق سرّ العقلِ الذي شَرَّعَ لقرطاج قوانينَها.
مَاچو: أَوَ ليس العقلُ هِبَةً جادتْ بها على إنسانيّتنا السماواتُ العلى؟
بَارْسِدْ: وإذن فَلِمَ الخوفُ من نبأ السماءِ إن هبط علينا بلسانِ بشر؟
هَانّو: العقلُ هو اللسانُ البشريّ الذي تخاطبنا به السماءُ.
مَاچو: إذن فلنستمعْ إلى صوتِ العقلِ البشريّ في شخصِ كاهنةِ المعبد.
هَانّو: إدارةُ البلادِ من اختصاص عقولنا نحن... شيوخِ هذا المجلس ونبلائه. الإلهياتُ من امتيازاتِ المعابدِ.
هنيبعلْ: الآلهةُ التي خلقتِ الإنسانَ وهبتْه العقلَ الرؤْيَوِيَّ جِسْرَ عبورٍ منها إليه ومنه إليها. فَلْتُحَدِّثْنا بسرّ مجيئها هَارْمونْيا. وَلْنُصْغِ إلى صوتها جيّداً جيّداً، فلعلّ في صفاء كلماتها تنقيةً للنوايا من كَدَرِ الخلافَاتِ وعقم الجدل.
هَارْمونْيا: من معبد عشتروت إليكم أتيتُ، فأعيروا صوتي آذانَكم، يا حكماءَ قرطاج، وأعيروا كلماتي صَفْوَ أرواحكم، صَفْوَ أرواحكم أعيروا كلماتي، إذ وحدها الأرواحُ مُهَيَّأةٌ لِتَلَقّي أنفاسِ السماواتِ العلى.
هَانّو: وماذا حلّ بحكمةِ العقلِ؟ أليستْ جديرةً بأن تتوجّهي بالكلام إليها؟
هَارْمونْيا: أرواحُكم أرفعُ درجاتِ عقولكم. ذلكم ما عَلَّمَتْنيهِ عشتروت وأكدّ لي عليه مِلْقَارْتْ.
هَانّو: ولماذا اخْتَصَّتْكِ الآلهةُ دوننا بنعمةِ النَّقْلِ عنها؟ ما الذي في تكويننا يمنعها من إسماعنا أصواتَها وتَلَقّي أنفاسَها العلويّة؟
هَارْمونْيا: لا يجادل في مشيئةِ الآلهةِ إلا متكبّرٌ جبّار. أمّا هَارْمونْيا فَقَدَرُها الطاعةُ للرؤى التي تمثّلها لها الآلهةُ في أحلامها.
هَانّو: وما هي الأحلامُ والرؤى؟ أليستْ هي العيونَ التي تنفتح لنا لتغلقَ فينا عينَ العقل؟
هنيبعلْ: ألم تكنْ قرطاج حلماً في خيال أليسّا قبل أن تنشئها على هذه التلّة؟ ألم يكنِ الإنسانُ حلماً في خيالِ الآلهةِ قبل أن تشكّله من لحم ودم؟ الأحلامُ والرؤى لا تلغي العقلَ، بل هي المحفّزةُ له على الخلق والإبداع. فَلْتُحَدِّثْنا هَارْمونْيا عن رؤاها فلعلّ كلماتِها تشقّ لمستقبلِ قرطاج طريقاً لم نتلمّسْه نحن بعد.
هَارْمونْيا: ذاتَ غفوةٍ من ذاتِ ليلٍ، وفي ركنٍ خفيٍّ من معبد عشتروتْ، هبط عليَّ حضورٌ لها، إلهةَ الحبِّ، عشتروتَ الحياةِ، وإلى يمينها مِلْقَارْتْ... حَدَّثاني ولم تكنْ كلمات. فَهَّماني مهمّتي في أناة... أنِ انْطلقي في مسيرةِ هنيبعلْ أنّى مَشَتْ به قدماه.. أَنِ انْفخي في جندهِ روحَ الحياة... فهو الذي سيمسحُ عن جبينِ قرطاج لطخةَ العارِ التي ألحقتْها بنا روما ذاتَ جولةٍ من ذاتِ حربٍ... وأَنِ اعْبري معه الجبالَ التي كتبْنا عليه عبورَها.. وهو العابرُ للمسافاتِ تمدُّداً وشُهوقاً... وحيثما حَلَّ منتصراً، حُلّي معه وألهميه إنشاءَ المعابدِ لنا، بإسْمَيْنا، وَالْهَجي بتعاليمنا في قبائل وشعوبِ الغدِ الذي هو آت... في إسبانيا وفي إيطاليا، وحيثما رَسَتْ بكم وبكنّ الركابُ. حَدَّثاني ولم تكنْ كلمات. فَهَّماني مهمّتي في أناة. ثم في لحظةٍ منسيّةٍ من اللحظات... تلاشى حضورُهما عنّي لأستيقظَ أنا من عميق سُبَاتْ.
هَانّو: إنه لَسَجَعُ الكاهنات! وما أدراكم ما سَجَعُ الكاهناتِ؟ هو الغشاوةُ التي تعطّلُ السمعَ وتشوّشُ البصرَ. أعيدوا الكاهنةَ إلى معبدها. أعيدوا لنظامنا السياسيّ توازنَه المتأرجحَ.
(من الباب المؤدّي إلى القاعة، يدخل بومِلْقَارْ، رغم اعتراض الحرس له).
بومِلْقَارْ: التوازنُ المتأرجحُ بين سلطانِ روما وسلطانِ قرطاج هو الهمُّ الأكبرُ لشبابِ وشابّات حاضرةِ أليسّا.
(مَليتّا ورفيقاتها، تِرونو ورفاقه، يندفع جميعُهم بحماس إلى داخل القاعة حيث يقف بومِلْقَارْ)
مَليتَّا: ولن يحسمَ أمرَ هذا التوازنِ المتأرجحِ إلاّكَ، يا هنيبعلْ، إلاّكَ يا مَنِ اصْطَفَتْهُ لقيادتنا السماواتُ العلى.
تِرونو: ومعكَ سنمضي إلى الأرض الإسبانيّة، إلى إيطاليا، إلى حيث تلهم قدميْكَ آلهةُ قرطاج، لنلغي معكَ التوازنَ المتأرجحَ بين إرادتنا وإرادة روما.
بومِلْقَارْ: معكَ سنمضي ومعكَ سنبقى، حتى وإنْ أَغْضَبَ ولاؤنا لقيادتكَ كلَّ مجالسِ قرطاج.
هَانّو: هكذا هكذا تُجْتَاحُ المجالسُ! وهكذا هكذا تنهار الأنظمةُ! صرخاتُكم... حمّى جنونكم... تجعل اليومَ من هنيبعل، لا من روما، العدوَّ الحقيقيَّ لقرطاج!
(خارج القاعة ترتفع الأصوات الحماسيّة مناديةً بهنيبعل ملكاً. ُتردّد صدى هذا الحماس، داخل القاعة، أصواتُ تِرونو ومليتّا و بوملْقارْ.)
هنيبعلْ: لا! ثم لا! لا تُكْرِهوني على غير ما أحبُّ، كما أنني لا أُكْرِهُكُمْ على غير ما تحبّون. إصرفوا عن أفواهكم كلمةَ "المَلِكِ" وَاصْرفوها عن أذنيَّ.
هَانّو: وهكذا هكذا... بتناقضِ المعاني في الكلماتِ... تؤرِّخُ لنهايتها ممالكُ الأرضِ.
هنيبعلْ: بل هكذا هكذا... بصفاءِ الكلماتِ المُلْهَمَاتِ... تشهدُ ولادتَها الثانيةَ ممالكُ الأرضِ. أعيروني للحظاتٍ آذانَكم، يا شيوخَ قرطاج ونبلاءَها. لقد بَسَطْتُ لكم رؤيتي في أمر Saguntum، متوسّلاً حكمتَكم أن تتفهّم نُبْلَ مقصدي. وإذ أجدني للمرّةِ الثانيةِ اليومَ أرفضُ أن تُسْبَغَ عليَّ صفةُ المَلِكِ، ولاءً منّي لشرائعِ قرطاج، أجدني، في الوقتِ عينه، أَحْني هامتي لرؤيا كاهنةِ المعبدِ وحلمِ بناتِ أليسّا ورفاقهنّ بالإلتحاقِ بجيشِ حرّيتنا في إسبانيا. إذ كلُّنا... كلُّنا... أنتم وأنا وهي وهنّ وهم يناضل كلٌّ منّا على طريقته لمجدِ قرطاج.
هَارْمونْيا: هيّا بنا إذن! هيّا! ولنركبْ على عجلٍ أشواقَنا فإنها أجنحةُ الزمنِ الذي يستحثُّ حاضرَه مستقبلُه.
هنيبعلْ: حليفةَ الرؤى، أليفةَ جِسْرِ العبورِ، هَارْمونْيا السماءِ والأرضِ، هلمّي إليَّ هلمّي... وأنتم: مَليتّا، تِرونو، بناتِ أليسّا، أحفادَها، نبلاءَ قرطاج وشيوخها... جميعكم تأمّلوا معي فصولَ الحكايةِ... حكايةِ مدينتنا: فجرَها، ضحاها، ظُهْرَها الذي يناشدنا اكتمالَ صِباها... تأمّلوا سيرورتَها ثم أخبروني: تُراه الزمنُ يسابقنا أم نحن الذين نسابقه بترجمةِ أحلامِ يومنا أفعالَ غَدِنا؟ أم تُراه الفكرُ يخدعنا، فلا سَبْقَ ولا سباقَ، إذ ليستْ إلاّ أحلامُنا وأفعالُنا للزمنِ هويّةً وسياقاً؟ تأمّلوا معي وأخبروني، فسِيَاطُ اللحظاتِ تترى تلسعُ صَدْغَيَّ وتُدْمي جبيني.
بومِلْقَارْ: كفانا تأمّلاً وكفانا جدالاً. مَنْ يُمْسِكْ بِأَعِنَّةِ الزمنِ يَسْتَوِ لديه الممكنُ والمستحيلُ. ولهذا أنتَ هنيبعل، يا هنيبعل.
هنيبعلْ: ظلالُ المعاني تتأرجح في كلماتكَ، يا بومِلْقَارْ. أقلقتَني! فما الذي تريدُ تقولُ؟
بومِلْقَارْ: قَدَرُكَ الأضدادُ: تطلب المجدَ لقرطاج مُلْهَماً، فيصدُّ البعضُ عنكَ، وبعضُهم إليكَ يميلُ. وسوى الرومانِ خلفَ ظهرِكَ رومانٌ، فَعَلَى أيِّ جانبيْكَ تَميلُ؟
هنيبعلْ: ما ورائي أمامي، أراه بعينِ القلبِ، فكلُّ الجهاتِ عندي سَوَاءُ.
(على أصداء الأصوات المتشاحنة والنبرات المتنافرة لشيوخ المجلس ونبلائه، يسدّد هنيبعل خطاه الواثقة نحو باب القاعة حيث الحشدُ المتهلّل بالحماسة يشقّ له طريقاً يمضي فيه إلى فضاء الشارع المترنّح بهتافات التأييد والتمجيد.)
المشهد الرابع
(معسكر بالقرب من أسوار مدينة Saguntum. ثلاث خَيْمات تنتصب متفرّقةً في عمق المساحة المرئيّة من المكان. فَتْحَاتُ الخيمات التي تشكّل منافذَ للدخول إليها والخروج منها تطلّ على معبر عسكريّ أَحَدُ طرفيْه الخطوطُ المتقدّمةُ لِفِرَقِ الجيش التي تحاصر Saguntum وطرفُهُ الآخرُ المخيّمُ المخصّصُ لإيواءِ الجرحى ومعالجتهم. تهتزّ جوانبُ الخيمة الوسطى لحظةً، لحظتيْن، ثلاثَ لحظات، ثم تنشقّ فَتْحَتُها عن آنّا، مندفعةً إلى خارج الخيمة، وهي تسوّي شعرَها وتسترق النظراتِ إلى الخلف. يندفع وراءها مَلْفِيو، وهو يطلق تنهّدات حائرة بين الرضا والعتاب.)
مَلْفِيو: حنانيْكِ آنّا! لَكِ قلبٌ أن تتركيني وأنا على هذه الحال؟
آنّا: حُلَّ عنّي قليلاً، مَلْفِيو! أُتْرُكْني أتنفّس!
مَلْفِيو: ألا يكفيكِ أن تتنفّسي أنفاسي؟
آنّا : كفاكَ مباهاةً بأنفاسِكَ، فإنها تحرق شفتيَّ!
مَلْفِيو: ذلك لأنها تشتعلُ بهما!
آنّا : أقبحُ من ذَنْبِكَ عُذْرُكَ!
مَلْفِيو: جمالُكِ عُذْري. وأنتِ أَحَبُّ ذنوبي إليَّ... بكلّ ما فيكِ.
آنّا : غرامُكَ الكلماتُ.
مَلْفِيو: لأنكِ أنتِ التي توحين بها إليَّ.
آنّا : المهمّ أن تتركَني أتنفّس.
مَلْفِيو: أمَّا أن تتنفّسي... فنعم. وأمّا أن أتركَكِ...فَلَا. والذي يحيّرني ولا أفهمه أبداً هو أنكِ تظلّين تكفّين يديَّ عن خصرِكِ. فلماذا؟ لماذا؟
آنّا : عن خصري فقط؟! وتسألني لماذا أصدّكَ؟ لأنكَ تحاصر جسدي برعشةِ الأناملِ من يديكَ، تحاصره وتلحُّ في حصارِكَ إيّاهُ، فكأنما هو Saguntumوأنتَ هنيبعلي الصغير!
مَلْفِيو: عنيدٌ هنيبعلْ بحصاره لـِ Saguntum. وأَعْنَدُ منه أنا في حصارِ الجَمال!
آنّا : لا تَتَذَاكَ الآنَ! وإلى الأبدِ تذكّرْ أنَّ حصارَ الجَمالِ جحيمُهُ.
مَلْفِيو: بل جحيمُهُ نكرانُهُ وتجاهلُهُ.
(من يمين المعبر، أنين وتمتمات تنسرب لتقطع على آنّا ومَلْفِيو حميميّةَ حوارهما. يلتفتان معاً إلى مصدر الصوت بقلق بالغ.)
آنّا : سمعتَ الذي أسمع؟
مَلْفِيو: مزيدٌ من الجرحى ربّما.
آنّا : ومزيدٌ من الخسارات. إلى متى تقاومنا هذه المدينةُ الملعونة؟
مَلْفِيو: إلى لحظةِ سقوطِها ربّما.
آنّا : ربّما! ربّما! أَسْقِطْ هذه الرّبّما من مفرداتِكَ وأَجِبْني بلغةِ اليقين. إلى متى يستمرّ هذا الحصارُ؟ الشهرُ يودِّعُ الشهرَ والإنتظارُ يطول.
(الأنين يقترب أكثر فأكثر، ناضحاً بألم عميق، والتمتمات تتّضح أكثر فأكثر فإذا هي كلمات مواساة وتشجيع. يدخل جنديّان وبينهما جنديّ جريح، لَافّاً يديْه حول عُنُقَيْ رفيقيْه اللذيْن يحضّانه على متابعة السير.)
الجندي الأول: أوشكْنا على الوصول إلى المخيّم. هيّا بنا! هيّا! شيءٌ من التعبِ ثم تستريح بين يديْ الطبيب.
الجندي الجريح: آخْ يا وَجَعي! وَجَعي لا يُحتمل!
الجندي الثاني: وأنتَ أشجعُ من أن تستسلم له!
الجندي الأول: لَيْتَنا كنّا حملناه على نقّالةٍ للجرحى. تقديرُنا لحالته لم يكنْ في محلّه. تَسَرَّعْنا...
الجندي الثاني: ...حتى نتجنَّبَ سقوطَ الرماحِ الملتهبةِ على رؤوسنا!
الجندي الأول: لا تذكّرْني بمشهدِ النار يلاحق بعضُها بعضاً...
الجندي الثاني: ...كأنّها الشُّهُبُ التي فجأةً تعبر أرجاءَ الفضاءِ، لا ندري من أين أَتَتْ ولا أين اخْتفتْ. كاد يفلتُ قلبي من بين ضلوعي!
الجندي الجريح: يا وَجَعي! يا وَجَعْ! لَيْتَني متُّ هناك واسْترحتُ!
(يصل الجنود الثلاثة إلى حيث تقف آنّا ومَلْفِيو.)
آنّا : رفقاً به! رفقاً! جريحٌ هو أم أصابه شيءٌ من حريق؟
الجندي الأول: جرحٌ في رِجْلِهِ وحريقٌ في كتفه.
مَلْفِيو: وهل وقع الإشتباكُ وجهاً لوجه؟
الجندي الثاني: أبداً ! أبداً ! فنحن لم تنجح مَطَارِقُنَا الضخمةُ في خَرْقِ السّور لندخلَ ونقاتلَ. وجيشُ المدينةِ لم يخرجْ إلينا ليقاتلنا. كلّ شيءٍ كان عن بُعْدٍ.
(يخطو الجنديان بالجريح بضع خطوات يساراً يساراً.)
آنّا : إذا كان كلُّ شيءٍ عن بُعْدٍ، فكيف أصابه الجرحُ ونال منه الحريقُ؟
الجندي الثاني: كانوا يقذفوننا من أعالي السور برماحٍ مُثَبَّتٍ في رؤوسها شيءٌ كالمسمارِ المُسَنَّنِ، بطولِ مترٍ، مَطْلِيٍّ بالكبريتِ والقار.
آنّا : ولكنِ الحريقُ؟ كيف كان يحدثُ الحريقُ؟
الجندي الثاني: كانوا يقرّبون من رؤوسِ الرماحِ شعلةَ نارٍ فيلتهبُ الكبريتُ والقار، ثم تنهمر علينا الرماحُ شُعَلاً ...جارحةً ومُحْرِقَةً في آنٍ معاً.
آنّا : فَلْتَحُلَّ عليهم من ملقارتْ وعشتروتْ لعنةٌ تطفيءُ نورَ عيونهم وتخمدُ نارَ رماحهم!
الجندي الجريح: مَدِّدوني على الأرض!
الجندي الأول: إنْ هي إلاّ خطواتٌ وتكون بين يديْ الطبيب.
الجندي الجريح: بَلِ اتْركوني هنا أموت!
الجندي الثاني: بل نَسرعُ بكَ الآنَ إلى المخيّم. هيّا بنا! هيّا!
آنّا : قبل أن تمضيا، خبّراني، بحقّ الآلهةِ، كيف هو هنيبعل؟ كيف يَبْلو في إدارة هذا الحصار؟
الجندي الأول: تقولُ الإشاعةُ إنَّ رمحاً ملتهباً أصابه في فخذه.
الجندي الثاني: ولكنّها مجرّدُ إشاعة.
مَلْفِيو: إذنْ أنتما لم تَرَيَاهُ؟
الجندي الثاني: لا. لا. نحن لم نَرَهْ.
(يغيب الجنود الثلاثة في يسار المكان. عيون آنّا ومَلْفِيو تلاحقهم في قلق عميق.)
آنّا : لم يَرَيَاهُ، يقولان! ما معنى أنهما لم يَرَيَاه؟! آه كم أكرهها أرجوحةَ الإحتمالات! وآه كم يحيّرني أنّ رحلتَنا من قرطاج إلى أرض الحريّة كانت تخبّيء لنا رحلاتِ الجرحى العابقةِ برائحة الموت!
مَلْفِيو: دعي عنكِ هذهِ الأفكارَ، وَلْنَعُدِ الآنَ إلى الجهةِ الأخرى من خيمتنا لنتمَّ توزيعَ المؤنِ في السلالِ قبل أن يصلَ الجندُ الموكلون بنقلها إلى فِرَقِ الجيش. الجوعُ، في ساحة المعركة، يوهنُ عزيمةَ الرجال.
(وهما يهمّان بدخول الخيمة، يدخل أربعة جنود ممسكين بنقّالةٍ -- مِحَفَّةٍ – من أطرافها الأربعة، وعلى النقّالة جنديٌّ مسجىّ على طوله بغير أنين ولا حراك. آنّا وملفيو يتوقفان وينظران.)
الجندي الأول: أليس من الجنون أن نحمل ميّتاً إلى مخيّم الجرحى؟
الجندي الثاني: ننفّذُ أوامرَ هنيبعلْ. هو قال : إحْملوه إلى المخيّم.
الجندي الأول: حملناه حينما كان لا يزال جريحاً...
(يصل الجنود إلى حيث آنّا وملفيو.)
أنّا: قَضى المسكينُ في المعركة؟
الجندي الأول: بل سقط جريحاً هناك. ولكنّ جُرْحَهُ لم يصبرْ عليه فَاسْتَنْزَفَ كلَّ دمه في طريقنا به إلى المخيّم.
أنّا : في ريعانِ شبابهِ المسكين! هل سقط مثله الكثيرُ من الشباب؟
الجندي الأول: البعضُ سقط. والبعضُ احْترق. والبعضُ لا يزال ثابتاً على خطّ الحصار.
أنّا : وهنيبعل؟ كيف هو هنيبعل؟ هل أصابه شيءٌ مما يصيب مقاتليه؟
الجندي الثاني: رغم كلّ الإشاعاتِ، فهو في كلّ مكان، وفي نفسِ اللحظةِ، كأنّه البرقُ، يُومِضُ ويختفي، لِيُومِضَ ويختفي من جديد، مرّةً بعد مرّةٍ بعد مرّة.
أنّا : وأنتم رأيتموه؟
الجندي الثاني: رأيتُهُ أنا ... ولكنْ كأنني لم أَرَهُ!
الجندي الأول: وكذلك أنا ... فهو خفيفُ الحركةِ... سريعُ الظهورِ، سريعُ الإختفاءِ!
أنّا : والإشاعاتُ؟ ماذا قصدتَ بالإشاعات؟
الجندي الثاني: ... أَنَّ رمحاً أصابه... أَنَّ ناراً مَسَّتْ عَيْنَهُ... أَنَّ شيئاً من هنا وشيئاً من هناك هبط على حصانه فَرَمَاهُ أرضاً...
تِرونو: وهل فعلاً حَدَثَ كلُّ ذاك؟
الجندي الأول: حَدَثَ ولم يحدثْ! فكلّما صَدَّقْنا إشاعةً كَذَّبَها ظهورُهُ، وكلّما كَذَّبْنا إشاعةً صَدّقَها اختفاؤه!
الجندي الثاني: هيّا ارْفعوا النقّالةَ معي. الوقتُ يضيع.
(وهم يرفعون النقّالةَ، يدخل من جهة اليمين أربعةُ جنودٍ أُخَرُ ممسكين بنقّالة أخرى، وعليها جريحٌ يئنّ وجسدٌ لا حراك فيه.)
الجندي الخامس: مهلاً ! مهلاَ! رفاقَ السلاحِ! سنمشي معاً بقيّةَ الطريق.
(يلتفت الجنودُ الأربعةُ الأُوَلُ إلى الخلف، ثم لا يلبث الثمانيةُ أن يغيبوا بالنقّالتينْ في أقصى يسار المعبر. آنّا وملفيو يشيّعان المشهد في صمت مدهوش مذهول.)
أنّا : لا تكاد تُلْهينا عن حالةِ الحربِ شهوتُنا للحياةِ حتى تَفْجَؤُنا الحمّالاتُ بأنينِ الجرحى وسكونِ الموتى!
ملفيو: وكأنما ذلك حتى لا ننسى...
أنّا: ... أَنَّ كلَّ الرحلاتِ تنتهي إلى نفس المصير؟
ملفيو: نفس المصير أجل.
أنّا: ولكن ذلك لا يوئِسُنا، فأشواق الحياةِ لا تحقّق ذاتها إلا بإستنزاف ذاتها لذاتها!
ملفيو: ونحن... يستنزفنا الآنَ... ماذا؟ الشوقُ أم القلقُ؟
أنّا : كلاهما! ولذلك لا نزالُ على قيد الحياة!
ملفيو: يُحْيينا الذي يستنزفنا؟!!
أنّا : رضينا بذلك أم لم نَرْضَ. خُذْ هذه الحربَ مثلاً. أليس حصارُنا لـِ Saguntum وقتالُنا لجيشها يستنزفان جيشَنا... في عين الوقت الذي يؤجّجان فيه حرارةَ أشواقنا إلى النصر؟
ملفيو: في الحربِ، كما في الحبِّ، شهوتُكِ إلى الكلمات لا يستنزفها شيء!
أنّا : ولذلك أنا من بناتِ أَليسّا... امرأةً لكلِّ الفصولِ!
ملفيو: ولأنكِ امرأةٌ لكلّ الفصول، هَيَّا بنا الآن لِنَخْتُمَ فصلَ توضيب المؤن!
أنّا: هو الفصلُ الذي لا يحتمل التأجيلَ. هَيَّا بنا.
(ينطلقان ويغيبان خلف الخيمة التي منها خرجا منذ حين. من بين خيمتين إلى اليسار يدخل سايْلنُسْ وسوسيلُسْ، رجلان متقدمان في العمر. ينقلان خطاهما بتمهّل وهما يتجاذبان أطراف الحديث.)
سوسيلُسْ: لا! لا! يا سايْلِنُسْ لا يجوز لنا الخَلْطُ بين فنّ التأريخ وفنّ التثقيف. كمؤرّخ لمسيرة هنيبعل، أنتَ موكلٌ برواية أحداث وقعت وأحداث تجري لا تزال. أنتَ تصف وتحلّل.
سايْلِنُسْ: أظنّكَ، يا صديقي سوسيلُسْ، تبسّط الأمور أكثر ممّا ينبغي.
سوسيلُسْ: كمؤدِّبٍ ومثقِّفٍ له منذ حداثة سنّه، مهمتي كانت، ولا تزال، أكثر تعقيداً. هذا كلّ ما عنيتُ.
سايْلِنُسْ: رأيي في العموميات تعرفه: هي خُبْزُ العامّة. لذلك أفصحْ، بَيِّنْ، وفَصِّلْ.
سوسيلُسْ: أمّا وقد سال لعابُكَ للجدل، فَخُذْ منّي بيانَ رأيي بأوجز الكلمات ... التثقيفُ رحلةٌ عبر ثلاثةِ أبعادِ الزمن: يغربل الماضي لِيَكتنه جوهرَه، يسلّطه على الحاضر للإضاءة عليه وللإستضاءة به، ويستلهم من الإثنين معاً لوحةً محفِّزَةً لما يجب أن تكون عليه هويّةُ القائد ومستقبلُ الأمّة.
سايْلِنُسْ: تعني أنّ المثقِّف، دون المؤرِّخ، ضالعٌ وحده في صناعة التاريخ؟
سوسيلُسْ: أنا قلتُ ما لديّ، ولكَ أن تستنتج ما تشاء.
سايْلِنُسْ: ولكنْ، عزيزي سوسيلس، المثقِّفُ والمؤرِّخُ كانا يعملان معاً حينما دَمَجْنا في كُتُبنا مِلْقَارْتْ المشرق وهِرَقْليسْ اليونان في رسمنا لشخصية هنيبعل. ومعاً معاً، من إسبانيا إلى إيطاليا إلى اليونان إلى الشمال الإفريقي، نشرنا هذه الصيغة المركّبة التي يوفِّق بها هنيبعل بين الفرقِ المتنافرةِ الألسنِ في بنيان جيشه.
سوسيلُسْ: ولكنّ ذلك لا يلغي أنّ الفضل الأول في تكوين الهوية الثقافية، لغةً وفلسفةً وعلماً بفنون الحرب، إنما يعود إلى المثقِّفِ وحده.
سايْلِنُسْ: ها! ها! ها! عزيزي سوسيلس، تظلّ تعود بنا إلى نغمة الفضل الأول! المهم الآن أن يعود إلينا هنيبعل من جبهة القتال لنحاوره في أمر هذا الحصار الذي طال أكثر مما يستحبّه ضبّاطُه وجندُه.
(يغيبان بين الخيمات. من جهة اليمين، يدخل مهرولاً جنديٌ مسلّح بسيف قصير، وإلى جانبه تهرول شابّةٌ مسلّحة بقوس ونشّاب. كلاهما يلهثان. يتوقّفان قريباً من الخيمة التي إلى يمين المعبر. يقلّبان نظراتهما بين الخيمات الثلاث.)
الجندي: طمّنيني، ألِيَّا، أليستْ هذه خيماتِ المؤن؟
أَلِـيَّـا:هي، هي، لا تَخَفْ، شِموسو!
شِموسو: أكيدةٌ أنتِ، أم أنكِ تخمّنين؟
أَلِـيَّـا: لقد جئتُ إلى هنا من قبل. كانت أرسلتْني هَارْمونْيا برسالةٍ إلى بناتِ أَليسَّا ورفاقهنّ.
شِموسو: إذن أين هنّ البناتُ؟ وأين هم رفاقُهنّ؟
أَلِـيَّـا: منهمكاتٌ لعلّهنّ في توضيبِ سلالِ المؤنِ. والرفاقُ بالطبع يساعدونهنّ.
شِموسو: يحيّرني الصمتُ الذي يسود المكانَ. أخشى أن تكونَ ثلَّةٌ من جندِ العدوّ تسلّلتْ إلى مخيّم المؤن...
أَلِـيَّـا: تتسلّلُ مِنْ أين؟ فالمدينةُ المحاصرَةُ خلفنا الآن.
شِموسو: من أحدِ السهولِ الممتدّةِ خارجَ المدينة. مَنْ يدري؟
أَلِـِيَّـا: لو كان ذلك ممكناً... أو حتى محتملاً... لكانتْ حذّرتْنا هَارْمونْيا. فَلْنقتربْ قليلاً من الخيمات.
شِموسو: حذارِ! أَلِيَّـا! فقد يفاجئنا مَنْ لا نعرفُ أنّهم بداخلها الآن.
أَلِـِيَّـا: مشيئةُ عشتروتْ وملقارتْ تحرسنا. سأناديهم وأناديهنّ.
شِموسو: بصوتٍ خفيضٍ، أَلِـيَّـا، بصوتٍ خفيض!
أَلِـيَّـا: مَلِيتّا! تِرونو! مَلْفِيو! آنَّا! أدونْ! سوفونيسْبا!
(من خلف الخيمات الثلاث، يندفع نحو المعبر، تلبيةً لنداء ألِيَّا، كلٌّ من مَليتّا وتِرونو ومَلْفِيو وآنَّا وأدَونْ وسوفونيسْبا، وشباب وشابات سواهم وسواهنّ.)
مَلِيتَّا: كاهنتي الصغيرة، أَلِـيَّـا؟! حمداً للسماء أن أراكِ ثانيةً ولم تصبكِ الحربُ بسوء.
أَلِـيَّـا: حمداً للسماء، فأنا أكاد لا أصدّق أني نجوتُ... صَدِّقيني، مَلِيتَّا، صَدِّقيني.
مَلِيتَّا: نجوتِ، نجوتِ بالطبع. وطبعاً خَبِرْتِ شؤون الحربِ قبْلنا!
أَلِـيَّـا: لا! لا تحسديني على هكذا خبرةٍ. من بعيدٍ، الحربُ مجرّدُ حكايةٍ. من قريبٍ، هي كلُّ ما لا نتمنّاه.
مَلِيتَّا: المهمّ الآن أنكِ هنا... بكامل جسمكِ وكاملِ وعيكِ.
أَلـِيَّـا: هذا ما يبدو لكِ مني. جسمي... أتحسّسه كلّ يوم لأتعرّفَ من جديد إليه. ووَعْيي... حمداً لِهارْمونْيا التي تظلّ تنفخ ناراً في دخانه...
شِموسو: تتواضعُ أَلـِيَّـا، بل تَتَمَسْكَنُ أمامكم وأمامكنّ! جسمُها اسْألوني عنه. هو أصلبُ من أجسام الرجال. ووَعْيُها؟ لا تسألوني عن وعيها، فلولاه لما كنّا سَلكْنا الطريقَ كلّه من خطوطِ الحصارِ إلى هذا المخيّم ووصلنا سالميْن.
ألِـيَّـا: ليس بالتَمَسْكُنِ قولُ الحقيقةِ، يا شِموسو. كما أنه لا ينتقصُ من شجاعتي شيئاً. مواجهةُ الموتِ، يقينُ الدمِ ينزفُ والنارِ تستعرُ، يعلّم شيئاً من التواضع. هذا كلّ ما حدث لألِـيَّـا.
مَلِيتَّا: وكلُّ ما حَدَثَ إنَما حَدَثَ بمشيئةِ السماءِ. فرفقاً بروحكِ، رفقاً! أُنفضي عنكِ هواجسَ الذكرياتِ... والآن خبّرونا: كيف تبلو هنالكَ هَارْمونْيا؟ وكيف يبلو هنيبعلْ؟
شِموسو: هنيبعلْ يستعجل نَقْلَ المؤنِ إلى خطوطِ الحصارِ. ولهذا أرسلنا إليكم.
تِرونو: المؤنُ موضّبةٌ في السلال.
شِموسو: علينا أن نحملها إلى حيث تنتظر العرباتُ التي ستنقلها.
تِرونو: شبابُنا جاهزون للمهمّة.
شِموسو: المهمّةُ الأخرى هي أن يحمل كلٌّ منكم قوسَه ونشّابَه ويستعدّ لمرافقةِ العرباتِ إلى خطوط الحصارِ.
تِرونو: وهذه تعليماتُ هنيبعلْ؟
شِموسو: بل هي أوامرُه.
مَلِيتَّا: يظهر أنّ الأمورَ تسوء.
شِموسو: الأمورُ سيّئةٌ حتى ينتهي الحصار... أو ربما حتى...
تِرونو: إذن آنَ أوانُ انْخِراطنا في الحرب، يا شبابَ وشاباتِ قرطاجْ!
مَلْفِيو: وإذن سنكون غداً شركاءَ في صنعِ النصرِ!
أَدونْ: وبعد غدٍ، أو ربّما بعد شهرٍ أو سنةٍ، سنروي الحكايةَ لأهلنا وأصدقائنا في قرطاج... حكايةَ بطولاتنا... بكلّ تفاصيلها!
مَلِيتَّا: ونحن، بنات أَلِيسَّـا، أليس لنا من خبرٍ، يا أَلِـيَّـا؟
أَلِيـَّـا: لَكُنَّ الخبرُ الأكيدُ من هَارْمونْيا. أرسلتْني اليومَ إليكنَّ، على يقينٍ منها أنكنَّ الْتزمتُنَّ بوصاياها التي كنتُ نقلتُها لَكُنَّ في لقائي بكنَّ المرّةَ الماضية.
مَلْفِيا: بالطبعِ الْتزمْنا.
سوفونيسْبا: وبشغفٍ وإصرارٍ على استعمالِ القوسِ والنشّابِ تَدَرَّبْنا...
مَلِيتَّا: ... حتى أصبحتِ الواحدةُ منّا تصوّبُ وتصيبُ عينَ الديكِ!
مَلْفِيَا: كما دَرَّبَنَا طبيبٌ من مخيّم الجرحى على تضميدِ الجراحِ وعَلَّمَنا كيفيّةَ العناية بالجرحى.
أَلِـيَّـا: ولأنكنَّ بناتُ أليسَّا، ولأنَّ الدِّرْبَةَ والشجاعةَ والأنوثةَ هي الثالوثُ العشتروتيُّ فيكنَّ، الثالوثُ الذي سيضخُّ الحياةَ في أرواحِ الجنودِ وأجسادهم، تستحثُّ هَارْمونْيا فيكنَّ إرادةَ الولاءِ للإنضمامِ إليها في خطوط الحصارِ... هَيَّا، بناتِ أَليسّا... هَيَّا، زهراتِ الأنوثةِ المحَرِّضةِ على الإنتصار... هَيَّا بكنَّ الآن! هَيَّا بنا جَمْعاً ! هَيَّا! وهَيَّا!
مَليتّا: هي ذي أَلِـيَّـا التي أعرفها!
الشباب (بصوت واحد): هَيَّا بنا! هَيّا ! سلالُ المؤنِ تنتظرنا.
الشابات (بصوت واحد): وينتظرنا القوسُ والنشّابُ... واحداً واحداً لكلِّ واحدةٍ منَّا !
(بحماسة جارفة، يندفع الكلُّ إلى ما وراء الخيمات الثلاث. خلسةً، وفي صمت مثير، يمسك تِرونو بِيَدِ شِموسو، مستوقفاً إيّاه للحظات. تتبادل عيونُ الشابيْن نظرات القلق والإستفسار.)
تِرونو: ... قلْ لي ... ما حقيقةُ الإشاعاتِ التي تناهتْ إلى مسامعنا منذ هنيهةٍ... هنيهات؟
شِموسو: أَيَّ إشاعاتٍ تعني؟
تِرونو: أَنَّ هنيبعلْ أُصيبَ برمحٍ ملتهبٍ... أَنَّ لَهَبَاً مَسَّ عينَه... أَنَّ حصانَه...
شِموسو: أكثرُ من كل ذلك الترجيحاتُ ... وَلَكَمْ أكره ظنّي أن نكون الآن... نحن... مَنْ يحاصره الحصارُ!
تِرونو: تخيفني كلماتُكَ! بحقّ عشتروتْ وملقارتْ، أَفْصِحْ ... بَيِّنْ ... وبالتفصيل.
شِموسو: من أين لي بالتفصيلِ، والحربُ دخانٌ ونارٌ؟
تِرونو: لستُ عن ذلك أسأل.
شِموسو: ما أعنيهِ هو أنّه حيث يلتفُّ الدخانُ بالنارِ، تتلاشى ملامحُ التفاصيل. كلُّ ما أعرفه أَنَّ طبيبَ هنيبعلْ، حينما خرج من خيمته، كان وجهُهُ مسحوباً منه اللونُ، مَزْموماً بالكتمان!
(تتجمّد عَيْنا تِرونو في محجريْهما. وإذ يخيّم على المكان صمتُ الإحتمالات، تتّجه الخطواتُ بالشابيْن إلى ما وراء الخيمات الثلاث.)
المشهد الخامس
(مخيّم عسكريّ قريب من السور الملتفّ حول مدينة Saguntum . تتوسّط ساحةَ المخيّم خيمةٌ تتميّز عن الخيمات المنتشرة حولها باتِّساعِ مساحةٍ وعُلُوِّ قُبّة. جندٌ مسلّحون بسيوف ورماح يروحون ويجيئون من يمين إلى شمال ومن شمال إلى يمين، ملتفّين، بين حين وآخر، حول الخيمات التي تنفتح لخارجٍ منها وتنغلق على داخلٍ إليها. الجوّ محموم بالقلق والترقّب. من يسار الساحة يدخل قائدان عسكريان في حوالي الثلاثين من العمر، سَاﭭونْ وحيرامْ، يتبعهم أربعة من الجند حاملين محفّةً ممدّدةً عليها جثّةٌ لرجل. يتوقّف الموكبُ الصغير عند الخيمة التي تحتلّ وسطَ الساحة.)
سَاﭭونْ :أريحوا المحفّة هنا على باب الخيمة.
(يأتمر الجند بالأمر بينما تختلس عيون القائديْن النظرات إلى فتحة الخيمة المغلقة).
حيرامْ :لا بدّ أن يلقي هنيبعل النظرةَ الأخيرة على الجثّة...
سَاﭭونْ :كان "أَدونْ" من المقرّبين إليه منذ اليوم الأول الذي ضُرِبَ فيه الحصارُ على Saguntum.
حيرامْ : ومَنْ منّا الآن سيدخل عليه بالنبأ المشؤوم؟
سَاﭭونْ : تَوَلَّ الأمرَ أنتَ بالنيابة عنّا.
حيرامْ : لطالما حملتُ إليه أنباءَ الإنتصارات. وتطلب مني الآن أن أحمل إليه نَبَأَ هذه الفاجعة؟
سَاﭭونْ : ولكنْ... أنا...
حيرامْ : أنتَ ماذا؟
سَاﭭونْ : لشدَّ ما أخشى الدخولَ عليه بعد إصابته بذلك الجرح البليغ.
حيرامْ : بل تخشى أن يظلّ وجهُكَ مرتبطاً في ذاكرته بأخبار الشؤم!
(فجأة تنفرج الفتحة في الخيمة عن وجه حارس تتنقّل عيناه بين العسكر والمحفّة الممدّدة على الأرض.)
الحارس: ما الذي تفعلونه هنا؟ ألا تدركون خيمةَ مَنْ أنتم تزعجون ؟
حيرامْ : بل نحن أدرى بمن هو فيها منكَ. هيّا اسْتئذنْ لنا بالدخول على قائدنا.
الحارس: بل تنتظرون حتى يخرج هو إليكم.
حيرامْ : أَنْبِئْهُ بأننا نحمل إليه نَبَأً ثقيلاً.
(يختفي وجه الحارس وتنفرج الفتحة على آخرها. هنيبعل، مهيبَ قسماتِ الوجه، ينقل خطاه الواثقة إلى خارج الخيمة. ينقّل عينيه المستطلعتيْن بين القائديْن والمحفّة. في اللحظة عينها تنفتح الخيماتُ كلّها ويندفع منها الجندُ المسلحون ليحيطوا بهنيبعل وكأنّ خطراً عظيماً أوشك أن يداهمه. يتأمل هنيبعل الجثّةَ المسجّاةَ للحظات. تهدأ الهمهماتُ التي تزحم الجوَّ حوله.)
هنيبعلْ : إذن حدث الذي كنتُ أخشاه.
سَاﭭونْ : إندفاعُه الذي لا يلجمه خطرٌ ولا يردعه حذرٌ رَسَمَ له قَدَرَه.
هنيبعلْ: لم يَمُتْ مَنْ صنع بإرادته قَدَرَه... حيّاً ستبقى معنا، يا "أَدونْ"، وقد تركتَ لنا على المحفّة شجاعتَكَ المسجّاةَ، صرخةً ملجومةً بالصمت يدوّي في قلوبنا أَنِ اسْتبسلوا في حصار المدينة يا رجال قرطاج.
أصوات متداخلة: ولسوف نستبسل حتى آخر نقطة دم في عروقنا.
هنيبعل : أنصتْ إلى آخر كلماتي إليكَ، يا "أَدونْ". مُسَجّىً أنتَ على المحفّة خيرٌ مني أنا واقفاً ههنا على قدميَّ، فالموتُ هو التجربةُ الوحيدةُ التي لا تتكرّر. أمّا الجرحُ، كذاكَ الذي انْشَدَهَ في فخذي، فلم يكن الأوّلَ، ولعلّه لن يكون الأخيرَ، في ميدان جسدي. تكرارُ الجرحِ إنما هو وَخْزٌ للذاكرةِ بيقينِ الوجودِ، يقينِ الألمِ، الألمِ الذي لا ينبض إلاّ في عروق الزمن. أنتَ قهرتَ الزمنَ، والزمنُ يعبثَ بنا لا يزال... أيّها القوّادُ والجندُ، يقينُ الجرحِ في فخذي يهيب بكم أن ترفعوا عن الأرض قاهِرَ الزمنِ المسجّى بيننا في ريعانِ شبابه وتواروه مجدَ التراب الذي يليق بشجاعةِ قائدٍ وبطولةِ مقاتلٍ فذّ.
(يتحلّق الجند حول المحفّة ويحملونها بعيداً إلى أقصى يمين الساحة حيث يغيب موكبهم في صمت مهيب.)
هنيبعل: سَاﭭونْ! حيرامْ! لا تبتعدا كثيراً عن خيمتي. بعد قليل سأعود إليكما بأوامر جديدة تحملانها إلى خطّ الحصار.
سَاﭭونْ وحيرامْ: بإنتظار أوامركَ.
(وإذ يعود هنيبعل أدراجه إلى داخل خيمته وتنغلق فَتْحَتُها خلفه، ينسحب بقيّة الجند إلى خيماتهم التي منها كانوا قد خرجوا منذ قليل. لا يبقى في الساحة إلاّ سَاﭭونْ وحيرامْ.)
حيرامْ : أوامر جديدة ! أيـــّة أوامر حكيمة يمكن له أن يتّخذها الآن، وهو المسكونُ بهاجسِ جُرْحِهِ؟
سَاﭭونْ : حدسي كان في محلّه.
حيرامْ : ما الذي تعنيه؟
سَاﭭونْ : هاجسُ الجرحِ هَجْسٌ بالموت. ولذلك كرهتُ أن أدخل عليه بالنبأ المشؤوم.
حيرامْ : ما يقلقني ... هَجْسُهُ بالزمن.
سَاﭭون : كأنما هو عدوُّه المستتر. لقد مضتْ ثمانيةُ أشهر على بدء حصارنا لـ Saguntum. ثمانية أشهر من الأمل واليأس. لا! لا! لم يَعُدِ الوقتُ في صالحنا. أهل المدينة صامدون. والإمدادات الرومانية قد تصلهم في أيّ وقت.
حيرامْ : هذا إن صَحَّتِ الأخبار... التي لا تفتأ يكذّب بعضُها بعضاً.
سَاﭭونْ : تعني أخبارَ الإمدادات؟
حيرامْ : وأخبارَ صمودِ أهلِ المدينة كذلك.
( من يمين القاعة يدخل تينَسّْ، أحد قــوّاد جيش هنيبعل، وخلفه بضعة جنود ممسكين برجل مكبّل بالسلاسل، يمتزج في نظراته الترقّبُ والغضب.)
سَاﭭونْ : إنه تينَسّْ!
حيرامْ : ما الذي أتى به الآن، وهو المأمور بقيادة القبائل الإسبانية؟
( يتوقّف تينَسّْ عند باب الخيمة ويتوقّف معه الموكبُ الذي خلفه.)
تينَسّْ : سَاﭭونْ ! حيرامْ ! ما الذي تفعلانه هنا؟ طمِّناني هل أصاب هنيبعل سوء؟
حيرامْ : لا! لا! هنيبعل بخير. لقد جئنا إليه بجثّة "أَدونْ" ليلقي عليها النظرة الأخيرة.
تينَسّْ : أَوَ قَضَى قبلنا "أَدونْ"؟
سَاﭭونْ : قضى... وكان نائبُه قَضَى قبله بساعات.
تينَسّْ : خساراتُنا تتتالى. ومَنْ يتولّى الآن قيادةَ الفرقة؟
حيرامْ : مؤقتاً، ضابطٌ من ضبّاطنا. رسميّاً، لم يقرّر هنيبعل شيئاً بعد. وهنا نحن بإنتظار أوامره الجديدة لننقلها إلى خطّ الحصار.
تينَسّْ : بعد خسارته "أَدونْ" سيكون ثقيلاً عليه النبأُ الذي أحمله إليه.
حيرامْ : ألذلك علاقةٌ بالرجل الذي يمسك به جندُكَ؟
تينَسّْ : حتماً ! حتماً !
سَاﭭونْ : ومَنْ تُراه يكون؟ وما هي قصّته؟
تينَسّْ : إنه زعيم قبيلة إسبانية يقاتل رجالُها في جيشنا.
حيرامْ : ولكنْ ما الذنب ُ الذي اقترفه حتى تكبّلوه؟
تينَسّْ : كان يغري جنود الفرقة الإسبانية بالتمرّد.
حيرامْ : يغريهم بالتمرّد على هنيبعل؟
تينَسّْ : ظَنَّ المسكينُ أننا لن نكتشف أمره لمخاطبته إيّاهم بلهجتهم القبليّة.
حيرامْ : وهل استجابوا له؟ هل ارتكبوا الخطيئة التي لا يغفرها قائد؟
تينَسّْ : أَوْشَكوا... ولم يوشِكوا.
حيرامْ : البلبلةُ هي الشيء الذي لا يحتمله الجندُ الرابضون في خطّ الحصار.
تينَسّْ : على هنيبعل أن يقرّر مصيرَ المحرِّضِ الآن، فإحتمالُ التمرّد أخطرُ ما يتعرّضُ له جيش.
حيرامْ : إذن هيّا ادْخُل على هنيبعل، فالأمر لا يحتمل الإنتظار. (موجّهاً صوته صوب فتحة الخيمة) أيها الحارس... أَنْبِيءْ قائدَنا بأنّ خطراً داهماً يقف على باب خيمته.
(في اللحظة التي تنفرج فيها الخيمةُ عن هنيبعل، تنفرج الخيماتُ الأخرى ويندفع منها الجندُ المسلَّحون للإحاطة به من كل صوب.)
هنيبعل : ما الذي يجري هنا؟ ماذا أرى ! تينَسّْ! ومَنْ ذا الرجلُ المكبَّلُ بالسلاسل خلفكَ؟ وجهه ليس بالغريب عني. أليس هو ﭙَابْلو؟
تينَسّْ : ﭙَابْلو الإسباني بعينه.
هنيبعل : حرّروه من لعنة السلاسل! هيّا حرّروه!
تينَسّْ : ولكنّ جُرْمَهُ...
هنيبعل : مهما يكنْ جرمُه، فزعيمُ قبيلةٍ حليفةٍ لجيشنا لا يُقَادُ إلينا مكبَّلاً بالسلاسل.
(الجنود المحيطون بـِ ﭙَابْلو ينزعون عنه القيود، ولكنهم يظلّون محيطين به.)
هنيبعل : والآن خبّرْنا، يا ﭙَابْلو، بالذنبِ الذي أتى بكَ إلينا.
ﭙَابْلو : ليس من ذنبٍ أتيتُه الذي أتى بي إليكَ، ولكنها الظنونُ التي سمّمتْ عقولَ قوّادكَ وجندكَ.
تينَسّْ : بل ذنبُكَ التحريضُ على التمرّد.
ﭙَابْلو : وهل إسدائي النصحَ إلى رجال قبيلتي يُعَدُّ تحريضاً؟
هنيبعل : حسناً! حسناً! قلْ لنا إذن ما النصيحةُ التي كنتَ تسديها إلى رجالكَ ؟
ﭙَابْلو : الحلفُ الذي بين قبيلتي وبين هنيبعل قائم بيننا ومتين. كلّ الذي كان أنني تمنّيتُ على رجال قبيلتي ألاّ يزدادوا تهوّراً في القتال حتى لا تفقد القبيلة منهم أكثر مما فقدتْ حتى الآن.
تينَسّْ: وجولاتُكَ الليليةُ بين خيماتهم... وإيحاءاتُكَ لهم بأنّ التمرّد على أوامر الإستمرار في الحصار هو الحكمة بعينها... أليس كلّ ذلك تمرّداً على هنيبعل؟
ﭙَابْلو : لم أحرّضْهمْ على التمرّد ولم أحضّهمْ على الفرار. كنتُ أحدّثهم بلهجة الحريص على سلامتهم لِيُفْضوا إليَّ بهواجسهم، وقد نَمَا إليّ قلقُهم من طولِ زمنِ الحصار.
هنيبعل : إذن أَسْمَعْتَهُمْ واسْتمعتَ إليهم، فماذا كانت، في رأيكَ، هواجسُهم؟
ﭙَابْلو : الرأيُ ليس برأيي، ولكنَّ هاجسَهم واحداً كان.
هنيبعل : وهو؟
ﭙَابْلو : أنّ ثمانيةَ أشهر من الحصار كانت تكفي لسقوط Saguntum ... لو كان مُقَدَّراً لأهل المدينة الإستسلامُ. وذلك ما كنتُ أنوي مصارحةَ هنيبعل به... لولا السلاسلُ التي كبّلني بها جندُكَ. تلك كانتْ نيّتي وتلك كانتْ خطّتي التي تضمّنتْ جولاتي الليلية.
تينَسّْ : لألفِ تبريرٍ تتّسع الخيانة.
ﭙَابْلو : التغاضي عن الحقيقة هو الخيانة.
هنيبعل : وما الحقيقة التي تلمّح إليها؟ أنتَ تلفّ وتدور بالكلمات.
ﭙَابْلو : هنيبعل قائد حكيم. والقائد الحكيم لا يتجاهل الحقيقة إذا كان هدفُه النصرَ في المعركة.
هنيبعل: ما زلتَ تلفّ وتدور وتضع لسانَكَ حيث تشاء. آمُرُكَ أن تبوح بكلّ ما في رأسكَ لتنقذَ هذا الرأسَ المترجرجَ بين كتفيْكَ.
ﭙَابْلو : إندفاعُ الجند نحو الموت، وقد تبلبل الهدفُ بين اليأس والرجاء، حتماً لا يؤدّي إلى النصر.
هنيبعل : وهذا ما كنتَ تذيعه سرّاً على رجال قبيلتكَ؟
ﭙَابْلو : بل ذلك جوهرُ الهاجسِ الذي أَسَرّوا به إليَّ. وتلك هي الحقيقة التي كان يحتّم عليَّ ولائي لهنيبعل أن أنقلها إليه... لولا أن أَخَّرَتْني عن ذلك السلاسلُ التي فُرِضَتْ عليَّ.
هنيبعل : وبقيّةُ الحقيقة... أَخْفَيْتَها أين؟
ﭙَابْلو : بقيّةُ الحقيقة أنَّ انتصارَ هنيبعل انتصارٌ لنا... وأنّ سوى ذلك شرٌّ علينا معاً.
هنيبعل: هَبْني قَبِلْتُ حجّتَكَ، فذلك لا يلغي خطيئةَ إسرارِكَ لرجالِ قبيلتكَ بما أسررتَ إليهم به دون أن نأذن لكَ بذلك. فِعْلَتُكَ هي التمرّدُ بذاته... ونيّتُكَ، التي أتحفّظ عليها، تفوح منها رائحةٌ لشيءٍ أكره تسميتَه.
ﭙَابْلو : ولاءُ رجال قبيلتي لجيش هنيبعل قويّ متين. وولائي للحلف الذي كنّا عقدناه بيننا لا يلغيه اتّهامٌ ولا تضعفه ظنونٌ. الأمرُ الآن منوطٌ كلّه بمشيئة هنيبعل.
هنيبعل : ومشيئةُ هنيبعل ستزيد على الحلف الذي بيننا بنداً جديداً. حينما يتمّ لنا النصرُ على Saguntum، سَأُقْطِعُكَ ورجالَ قبيلتكَ السهلَ الذي شماليّ المدينة، تزرعونه وتحصدون غلاله خالصةً لكم. والآن، أيها الحارس الأمين... (يطل الحارس من باب الخيمة.) إدفعْ إلى ﭙابلو بالكيس الجلديّ الذي تعرف أين... (يدخل الحارس إلى الخيمة ويعود بالكيس الجلدي). خُذْهُ منه، يا ﭙابلو، ففيه مني لكَ ولرجالكَ من خالصِ الفضّة زِنَةٌ موفورةٌ ستعقبها مني زِنَاتٌ. تصرّفْ بها وتذكّرْ أنّ هنيبعل يقدّر الولاءَ ولا تَعمى عيناه عن الحقيقة مهما كانت مخزية.
ﭙَابْلو : أيّها القائد العظيم، ولائي لكَ، أمسِ واليومَ وغداً، صامدٌ كالجبال، متجدّدٌ كأنفاس الحياة.
هنيبعل:غُسِلَتْ خطيئةُ تمرّدكَ بتجديدِ ولائكَ لجيش هنيبعل. أيها الجند، إمضوا معه إلى حيث تمضي به مشيئةُ قدميْه ثم خلّوه لحرّيته.
( بينما ينطلق ﭙَابْلو وحوله الجند ليغيبوا في أقصى يمين الساحة، يتبادل تينَسّْ وسَاﭭونْ وحيرامْ نظرات قلقة. هنيبعل يراقب عيونهم في صمت. ولحظةَ تتلاقى عيونُهم بعينيه يهزّ رأسه هزّات خفيفة ويخاطبهم.)
هنيبعل: سَاﭭونْ ! تينَسّْ! حيرامْ ! فَلْتَصْمُتْ في حناجركم الأسئلةُ المتبلبلةُ بين الحيرة والإستغراب، وَلْتَسْتَرْخِيَنَّ في عيونكم انشداهاتُ الدهشة. رأيتُم، كَأَنْ ما رأيتُم، وسمعتُم، كَأنْ ما سمعتُم ! إنّ للكلمات معانيَ وإنّ للكلمات ظلالاً. وبين المعنى والظلّ تتأرجح النوايا.
تينَسّْ : كلّ ما أعرفه أنّ الإسبانيّ كان يداجي بإلتواءات كلماته.
حيرامْ : هي الإلتواءاتُ التي فضحتْ نواياه.
سَاﭭونْ : ولكنّ نوايا هنيبعل ظلّتْ خفيّةً علينا، تتأرجح في أذهاننا بين جَرْسِ الكلمات وهَجْسِ ظلالها المتلوّيات.
هنيبعل: بِلُغَتِهِ حدّثناه وبمكياله كِلْنا له. في خضمّ الحرب، تسويفُنا لمعاقبةِ المتمرّد قد يكون أنفعَ لنا أحياناً من الإسراع في إنفاذها. فَقَتْلُهُ قد يشيع الرعبَ في قلوب قَبيله من الجند، ممثّلاً لهم احتمالَ لحاقهم به. وذلك بالطبع قد يتعتع عزيمةَ الجيش.
تينَسّْ : وماذا لو رأى الجندُ التسويفَ تردّداً وضعفاً؟
هنيبعل : خالصُ الفضّةِ وحلمُ الأرضِ رسالةُ سلطةٍ لي عليهم... سلطةٍ وإنْ تكنْ مغامِرة.
سَاﭭونْ : ولكنْ النوايا التي خلف الفضّة وحلم الأرض... أين، ثم أين، يخبّئها هنيبعل؟
هنيبعل : في ثنيّاتِ الزمنِ التي تنشرنا وتطوينا، تماماً كما ننشرها ونطويها، مِثْلاً بمثْلٍ وكِفَاءً بِكِفَاء.
تينَسّْ : ولكنّ الإنتظار مخيف. فَلَشَدَّ ما أخشى أن يظلّ مُغْتَرّاً بذكائه ﭙَابْلو ويضاعف كيدَه.
سَاﭭونْ : ولَخوفي أشدّ من سريانِ التذبذبِ في قلوب الجند بعد مقتل "أَدونْ" ونائبه.
هنيبعل : حيرامْ ! أنتَ ستخلف "أَدونْ". وأنتَ، يا سَاﭭونْ، تخلفه إذا ما أصابه مكروه.
تينَسّْ : والفرقةُ الإسبانيّةُ كيف نتدارك أمرها الآن؟ وسوساتُ ﭙَابْلو لا تزال تسمّم هواء الفرقة.
هنيبعل:أطلقتُ سراحَ ﭙَابْلو ليعود إلى رجال قبيلته. وأنتَ، يا تينَسّْ، أطلقْ في إثره العيونَ، تترصّد تحركاته وتعود إلينا بأصداء همساته ووسوساته. وأنا، من هنا، سأبثّ في الفرقة كلّها عيوناً عليهم من أبناء جلدتهم، عيوناً كنتُ اخترتُها من أوّل الحصار لهذا الغرض. عُدْ إلى الفرقة الإسبانية، إبحثْ عن سيرانو، يا تينَسّْ، واهمسْ في أذنه كلمةَ السرّ: "هنيبعل كانَ، هنيبعل كائنٌ، هنيبعل سوف يكون." وهو يتكفّل بتنفيذ المهمّة السرّيّة.
تينَسّْ : سأمضي بأوامركَ أخفَّ من الريح، ولْتَقْضِ بالنصر لمشيئتكَ الآلهةُ.
(ينطلق تينَسّْ وجنوده ليغيبوا في أقصى يمين الساحة.)
هنيبعل: حيرامْ ! سَاﭭونْ ! قبل أن تمضيا إلى خطّ الحصار، استمعا إليَّ جيّداً. أنا لا أزال أرى الحيرةَ في عيونكما. أراها وأفهمها. ولأصرفها عنكما أقول: إنّ الجرحَ الذي تماثَلَ للشفاء أخيراً في فخذي علّمني أن أحوّل الألمَ والخسارةَ، بل حتى الخيانةَ، إلى حوافزَ تستفزّني لإتمام ما كنتُ بدأتُه وما كانتْ انتدبتْني لإنجازه عشتروت وثَنّى عليه ملقارت.
حيرامْ : ولكن ... أعني ...
هنيبعل : إِنْسَ"ولكنْ"، ودائماً تذكّرْ أنَّ الألمَ رَحِمُ الحكمةِ وأنّ رَحِمَ كلّ الحوافزِ الألمُ. إمضيا إلى مهمّتكما، ولا تبتئسا إذا ما عَرَّج عليكما أَلَمٌ، فإنه، في معركةِ الوجودِ، أوّلُ قوانين الضرورة. وحده، وحده الألمُ رائدُنا إلى النصر.
(ينطلق حيرامْ وسَاﭭونْ ويغيبان في أقصى يمين الساحة. وبينا هنيبعل يلاحقهما بأنظاره، تنفتح خيمتُه وتخرج منها هارمونيا. يلتفت نحوها).
هارمونيا: نبرةُ صوتكَ أكّدتْ لي أنّ جرحَكَ إلتأمَ تماماً.
هنيبعل : بفضلِ الأعشابِ التي مَزَجْتِها ولففتِ بها مساحةَ الجرح.
هارمونيا: بوحيٍ من سيّدتي القمريّةِ الشافيةِ فعلتُ الذي فعلتُ.
هنيبعل : ولَيْتَكِ، بوحيٍ من أنثويّةِ قمريّتها، شفيتِ لي كذلك الجرحَ الآخرَ !
هارمونيا: لكلّ جرحٍ أوانٌ ولكلّ شفاءٍ ميقات. أليستْ سيّدةَ المواقيتِ خالقةُ الزمنِ؟
هنيبعل: كنتِ أنتِ الزمنَ حينما أصررتِ على البقاء في خيمتي منذ انْشَدَهَ في فخذي ذلك الجرحُ العنيد.
هارمونيا:أصررتُ لأنني رسولةُ عشتروت إليكَ منذ اللحظة التي إلتقيتُكَ فيها في ذلك الشارع الرحيب من شوارع قرطاج. شفاؤكَ من الجرح شرطٌ لإتمام المهمّة التي انتدبتْكَ لها السماءُ.
هنيبعل: وجرحُ الشوقِ الذي أضرمه في جوانب خيمتي الجسدُ الذي ظلّ يحوّم حول مرقدي ليلَ نهارَ وتَمورُ منه في خيالي الظلالُ، كاسياتٍ عارياتٍ... ذلك الجرحُ بذلك الشوقِ، أليس شفاؤه كذلك شرطاً لإتمام المهمّة التي انْتُدِبْتُ لها؟
هارمونيا: لكي تظلَّ الأشواقُ أشواقاً، لا بدّ من اسْتطالةِ عُمْرِ الجراح!
هنيبعل : تلك، وحقّ عشتروت، لَأَنْكى كلماتكِ وأشقى معاركي!
هارمونيا: عشتروت تتفهّم إلحاحَ الحاضرِ، ولكنها تؤثرُ عليه إنجازاتِ المستقبل. الحاضرُ لعامّة الرجال، أمّا المستقبلُ فللذين تخيّرتْهم لمشاريعها مشيئةُ السماء. المستقبلُ هو البُعْدُ الأقدسُ للزمن.
هنيبعل : ولماذا اختارتْني أنا لأكتوي بعذابات جراحاتي الخفيّات؟
هارمونيا: لأنكَ هنيبعل يا هنيبعل.
هنيبعل : ولكنني أنتزع لها النصرَ تلو النصر...
هارمونيا: ليس بعد. ليس بعد، يا هنيبعل. نصرُكَ على Saguntumسيشفي لقرطاج بعضاً من الجراح التي أثخنتْها في كبريائها روما. شفاءُ بقيّة الجراح رهنٌ بإتمام الرحلة.
هنيبعل : نصرٌ قادمٌ ولذّةٌ مسوَّفة ! تلك هي إذن عدالةُ السماء؟!
هارمونيا: إكتفِ الآن بلذّةِ تصميمكَ على إخضاع حليفة روما.
هنيبعل: تعلمين أنني قادرٌ على أن أجتنيَ لذّتي بالقوّة ساعةَ أشاء، ولكنكِ لا تعلمين لماذا أربأُ بنفسي عن هكذا خيار.
هارمونيا: لأنّ هنيبعل يأبى أن يَغْصِبَ على نفسها رسولةَ عشتروت إليه.
هنيبعل: بل لأنكِ كنتِ الشافيةَ لجرحي بعد أن أخفق في معالجته طبيبي الخاص. هذا أوّلاً. أمّا السبب الثاني فلأنّ غزوةَ اللذّاتِ قادرٌ عليها كلُّ الرجال...
هارمونيا: ... ولأنّه يأبى إلاّ التميّزَ عن كلّ الرجالِ هنيبعل...
هنيبعل : ولو إلى حين... ولو إلى حين !
هارمونيا: بل إلى حين تنتصر كبرياؤكَ. وإنّها لَلنعمةُ التي بها تؤهّلكَ عشتروت لإتمام رحلتكَ، التي هي رحلتُها، إلى المجد.
هنيبعل : رحلتي التي هي رحلتُها! لماذا تلحّين في وَخْزِ ذاكرتي بهذه التوأمة؟
هارمونيا: ألم أقلْ لكَ في أوّل لقاء لنا أنّ الرؤيا القمرية التي أوحتْ بها إليَّ عشتروت هي قدرُكَ، تماماً بمقدار كونكَ لها قَدَراً؟
هنيبعل: أفهمُ أنّ النصرَ حلمُ الإنسانِ كما هو حلمُ الآلهةِ، ولكنْ ما يحيّرني ...
هارمونيا: كما أنّ لكلِ جرحٍ زماناً ولكلِّ شفاءٍ ميقاتاً، فكذلك للكشفِ لحظاتٌ خاطفاتٌ.
هنيبعل: الصبرُ في حصار Saguntumزمانُهُ يوشك على الإنتهاء، وزمنُ الجرحِ الذي انْشَدَهَ في فخذي ولّى وانتهى، فمتى هو الكشفُ بلحظاته الخاطفات؟
هارمونيا: الآن الآن، يا هنيبعل !
هنيبعل : الآن ! الآنَ ماذا ؟
هارمونيا: لتوّها أوحتْ إليَّ سيّدتي النديّة أنْ أكشفَ لروحكَ، أنْ أُذكّركَ بالأحرى للمرة الثانية، بغيبَ نواياها. عند سقوط Saguntum، وبعد ذا استسلامِ روما، مُكَلَّفٌ هنيبعل بإنشاء معابد لعشتروت داخل أسوار المدينتيْن لنشر ديانتها وللإحتفال بطقوس عبادتها. نصرٌ لك في الأرض ونصرٌ لها في السماء، ذلك هو الحلفُ الذي ستبدعه عبقريّتُكَ الفذّة.
هنيبعل : معابد ! معابد ! وحلفٌ وحلف ! ليت بيني وبينكِ كان لنا حلفٌ من نوع آخر ! ولكنْ هيهات هيهات ! في الحرب، تعلمين أنني إنْ لم أجدْ طريقاً إلى النصر ابتدعتُ لنفسي طريقاً. ولكنّ حربي معكِ ميدانٌ محيّرٌ لخيالي العسكريّ.
هارمونيا: في ميدانِ العشقِ، الحيرةُ أوّلُ درجاتِ اللذّة. ولكنّ الحيرة التي وضعتَ فيها قوّادَ جندكَ قد تنقلب عليكَ خسارةً وندماً.
هنيبعل : أيَّ حيرةٍ تعنين؟
هارمونيا: سمعتُكَ من داخل الخيمة تبذل الفضّةَ وحلمَ الأرضِ لرجلٍ يتّهمه قوّادُكَ بحضّ المحاربين على التمرّد والفرار. سَاﭭونْ وحيرامْ شكّكا في الحكمة من هكذا خيار. والشكّ أبُ الحيرة. والحيرةُ تزعزع إرادة الرجال.
هنيبعل : تظنين أنّ هنيبعل لا يفقه شراسةَ الأخطارِ التي تحيق بجيشه وبنفسه؟ إذن أين ضاعتْ مِدْحَتُكِ لقدراتي منذ لحظات؟
هارمونيا: مِدْحَتي لكَ لا يلابسها الشكُّ، ولكنني أقلقتْني حيرةُ سَاﭭونْ وحيرامْ.
هنيبعل : إسمعي هارمونيا ! وأنصتي جيّداً ! علّمني أبي مرةً، قال: "وأنتَ مرؤوسٌ، إلتزمْ بأوامر رئيسكَ. وأنتَ رئيسٌ، فاجيءْ مرؤوسيكَ، كما أعداءَكَ، بتقلّباتكَ، بل حتى بمتناقضاتكَ، حتى لا يتوهَّمَنَّ أحدٌ أنه قادر على اكتناه أفكاركَ أو توقّع تحركاتكَ. وحده ذلك سيبقي مرؤوسيكَ في حالة تأهّب، وأعداءَكَ في حالة تبلبل وحيرة."
هارمونيا: إن كان ذلك نَفَعَ هَمِلْقَارْ بَرْقَهُ، فلعّله أن ينفعكَ.
هنيبعل : نغمةُ الشكّ في كلماتكِ تسري. ما الذي عنه تسكتين؟
هارمونيا: أليستْ في غيبِ النوايا تكمن قوّةُ الآلهة... فلا هي تكشف عنها إلا لماماً ؟
هنيبعل : ذلك هو اللمامُ الذي عنه يكشف هنيبعل، حينما الكشفُ يضمن له النفعَ ضماناً أكيداً. في علم الحرب، نسمّي ذلك استراتيجيّةَ الخفاءِ والتجلّي.
هارمونيا: وتلك هي استراتيجيّةُ الأنثى، ابتدعتْها أُمُّنا الكونيّةُ، عشتروتُ القمرِ، قمرِ الكتْمِ والبوحِ، وكشفتْ لنا عنها، نحن وكيلاتها إناث الأرض، لنضمنَ لشريعتها انتشاراً رحيباً.
هنيبعل : وبالطبع لِتَضْمَنَّ لَكُنَّ أنتنّ على عشاقكنّ السطوةَ التي تستهويها أنوثتُكُنَّ !
هارمونيا: مرةً ثانيةً، يا هنيبعل، يتكرّر حلفُ السماء والأرض، فنصرٌ لهذه ونصرٌ لتلك.
هنيبعل : حَيَّاكةُ القَدَرِ أنتِ الآن، يا هارمونيا !؟ لَكَمْ يستهويكِ أداءُ هذا الدور !
هارمونيا: لا حيّاكةٌ ولا غزّالةٌ أنا، ولكنْ في فلكِ عشتروتَ مسيرُكَ وسيرورتُكَ. وإذن فَقَمَرِيٌّ قمريٌّ قدرُكَ.
هنيبعل : لا حَدَّ لولعكِ بالكلمات ! إليكِ عني، هارمونيا ! أما كان لنا أحلى من هذا الحوار لو أننا عُدْنا إلى خيمتنا لنجنيَ لذّةً بلذّةٍ ويقيناً بيقين؟ هنيبعل يعوم منكِ في بحر غواية.
هارمونيا: بيننا من الخُلْطَةِ والمودّةِ ما ليس بين امرأة ورجل. ولكنها الخُلْطَةُ والمودّةُ التي تخترق الحاضرَ لتستشرفَ المستقبلَ ارتقاءً فارتقاءً.
هنيبعل : أنتِ آنيّةُ الآنِ، وفي خيالي، أبداً لن يسترخي شوقي إلى جسدكِ.
هارمونيا: حلمي لكَ ظلُّ عشتروتَ، وأنا ظلُّ حلمي، وأنتَ ظلُّ الظلِّ، لا حكم لكَ ولا شوقَ إلاّ الذي ابتدعتْه لخيالكَ القمريّةُ عشتروت.
هنيبعل : تلتفّين على أشواق جسدي بشوقكِ إلى الكلمات !
هارمونيا: يكاد يداهمنا الليلُ، يا هنيبعل. هيّا ولندخلْ خيمتَنا لنجتنيَ غيرَ لذّةٍ بغير يقينٍ.
هنيبعل : سندخل حتماً، فليلُ الخيمةِ قَمَرُهُ أنتِ، وعسى أن تورقي فيه من الشُّعَلِ احتمالاً.
(يغيبان داخل الخيمة بينما يهبط على الساحة سكون الليل.)
المشهد السادس
(جانب آخر من ساحة المخيّم العسكريّ. من خلف إحدى الخيمات تدخل آنّا على عجل، يلحق بها مَلْفِيو – هي، يتدلىّ من كتفها القوسُ وجعبةُ السهام، وهو، يحمل رمحاً قصيراً. يتلفتان في كل اتجاه.)
آنّا :تلحقُ بي تَظَلّ !!! تحاصرني وكأنني Saguntum !
مَلْفِيو: Saguntumالشهيّةُ أنتِ !
آنّا: تنسى أنّنا لتوّنا تركنا الخطّ الثاني للحصار، وكأنْ، على ضوء القمر، لم تكنْ تنصبُّ علينا السهامُ تؤزّ أزّاً والرماحُ تَرْمَحُنا باللهب ؟!
مَلْفِيو: إنما ألوذُ بخطرٍ من خطر !
آنّا : بل أنتَ فقدتَ إحساسَكَ بالخطر. وذلك هو الجنونُ بعينه.
مَلْفِيو: آنّا، ارحميني ! ارحميني ! لستُ أدري ما الذي أصابني، ويصيبني لا يزال.
آنّا : إحتمالُ الإصابةِ واحتمالُ الموتِ ... ذلك هو الشبحُ الذي يشوّش عقلكَ، فلستَ أنتَ بأنتَ.
مَلْفِيو : بل أنا أنا، ولكنّ الذي حدث هو أنني كلّما أحدقَ الخطرُ بنا جَنَحَ بيَ الشوقُ حثيثاً إلى جسدِكِ.
آنّا : تعني أنّ جسدي هو الخطرُ الذي تلوذ به من خطر الموت ؟! إطراءاتُ زمنِ الحربِ تضحكني!
مَلْفِيو : إضحَكي إذن !
آنّا : أضحكُ ... ولكنْ حتى ضحكي يقلقني.
مَلْفِيو: إضحكي كما تشائين ! إقلقي كما تشائين ! ولكنْ نَوّليني الذي منكِ أشتهي، فإنّما هي هنيهاتٌ تُمَسِّكُنا بالحياة.
آنّا : فعلتَ الذي فعلتَ ليلةَ أمس، وكدنا يكتشف أمرَنا حارسُ الليل. إكتفِ الآن بالذكرى.
مَلْفِيو: ألم تقولي بأنّ القمر كان يحرسنا ؟ أنظري إليه الآن. مكتملاً يطلّ علينا. هيّا ! هيّا نفعل مثل الذي كنّا فعلناه.
آنّا : بل كاد يُسْلِمُنا لعين الحارس لولا احتماؤنا بظلّ شجرة.
مَلْفِيو: أحلّفكِ بسيّدة القمر أن تستجيبي لما شرّعتْه لنا من تمتّعٍ وإمْتَاعٍ !
آنّا : شريعةُ اللذّةِ هَوَسُكَ !
مَلْفِيو: ألستِ في الشريعةِ الجمرةَ التي تشعل في كياني لهباً ؟
آنّا : وَلكنّها الحربُ، يا مَلْفِيو ! وهنيبعل، كأنما إلتئامُ جرحِه، كما سمعنا، أَذَانٌ بالجولةِ الأخيرةِ من هذا الحصار. فَلْنحتفظْ بقوانا لتلكَ الجولة.
مَلْفِيو: هو إلتأمَ جرُحُهُ، فما الذي أفعله بجرحي أنا ؟
آنّا : هَدِّيءْ هياجَ أنفاسكَ، فخيمةُ هنيبعل وهارمونيا قريبة منّا.
مَلْفِيو: قريبة منّا !! هل تسمع حديثَنا يا قمر ؟ إذن خبّرْنا هل في ليلِ خيمتهما تمارس هارمونيا شريعةَ عشتروت مع قائدنا الذي إلتأم جرحُه ؟ خبّرْني، يا قمر، هل تأذنُ لي أن أوسّع جرحي بهذا الرمح الذي في يدي لألتذّ وأرتاح ؟
آنّا : أَغْرَبُ من حمّى الجنونِ هَلْوَسَاتُكَ !
(همهمات مضطربة تقترب من يسار الساحة. تدخل أَدِلْفَا وشِموسو، يتّكيء على كتفِ كلٍّ منهما تِرونو، عاريَ الصدر والكتفيْن، حَذِرَ الخطا، ومن فمه يخرج الصوتُ أنّةً إثر أنّة. خلف تِرونو تسير مَليتّا، مشعّثةَ الشعر والثوب، كفّاها لِصْقَ ظهره وكأنما تخشى عليه السقوط إلى الخلف.)
آنّا : تِرونو مصاب !؟ مَليتّا ! مَليتّا ! ما الذي جرى له ؟ أَدِلْفا، اشْرحي لي مصابه !
مَلْفِيو :شِموسو ! قلْ شيئاً ! قلْ أيّ شيء ! هل تِرونو في خطر ؟
مَليتّا : مصابُهُ في أنينه.
آنّا : لا تحيّرينا، مَليتّا ! ما الذي جرى له بالضبط ؟ ولماذا هو عاري الصدر؟ ولماذا أنتِ مشعّثةٌ هكذا ؟
أَدِلْفَا : ألا تَرَيْنَ الجرحَ في كتفه اليسرى؟
مَلْفِيو : جرحٌ من أيّ شيء؟ هل كان يقاتل وجهاً لوجه؟
(تِرونو يئنّ.)
مَليتّا : وجهاً لوجه وصدراً لصدر... كنّا تِرونو وأنا ... حينما السهمُ الطائشُ مزّق كتفه.
آنّا : وجهاً لوجه وصدراً لصدر! حلّفتُكِ بعشتروت أن تكفّي عن هذا الغموض.
أَدِلْفَا : أوووهْ ! آنّا ! ألا تفهمين بلغة الإيماء والإيحاء ؟ وَسِّعي خيالَكِ قليلاً.
آنّا : آآآهْ ! أَدِلْفا ! لا ! لا تقولي بأنهما كانا يمارسان ذلك الشيءَ من شريعة عشتروت !
أَدِلْفَا :من حسن حظّهما أنّ شِموسو وأنا كنّا قريبيْن منهما. وإلاّ...
مَلْفِيو : كلُّها غلطةُ القمر ! أباحهما شعاعُهُ لِمُطْلِقِ السهمِ من أعلى السور !
( تِرونو يئنّ.)
مَليتّا : والجرح ! الجرح ! ماذا نفعل به الآن ؟
آنّا : نضمّده بشيء ريثما...
مَليتّا : ريثما ماذا ؟
آنّا : ريثما تخرج من خيمتها هارمونيا.
مَليتّا : هارمونيا قريبة منّا ؟ هيّا بنا إليها ! نادوا عليها ! ولتأتِ إلينا بأعشاب الشفاء.
مَلْفِيو : مَليتّا، اصبري قليلاً، فهي الآن في صحبة هنيبعل.
مَليتّا : ألم يُشْفَ جرحُهُ هو الآخر ؟
مَلْفِيو : شُفِيَ تماماً ... كما سمعنا ... ولكنْ...
آنّا : مَلْفِيو ! زِنْ كلماتكَ !
مَليتّا : لا يهمّني الذي تخفيانه عنّي. كما لا يهمّني الذي يجري بينهما. الآن همّي أن تنادوا عليها. نادوا عليها ! إقتحموا الخيمة ! هيّا اقتحموها ! فوحدها القادرةُ على إنقاذ تِرونو. (بأعلى صوتها) هارمونيا ! هارمونيا! هارمونيا!
( وكأنّما صوتُها وأصواتُ رفيقاتها ورفاقها تسرّبتْ أصداؤها إلى خيمة هنيبعل، تنشقّ فتحةُ الخيمة عن وجه هارمونيا التي تهرع نحو الجمع بخطى رشيقة واثقة، وفي إحدى يديها إناءٌ فخاريّ صغير.)
هارمونيا: كفاكم هلعاً ! كفاكنّ صراخاً ! وأنتَ، يا تِرونو، كفاكَ أنيناً !
مَليتّا : إِشْفِهِ من الجرح يا شافيةَ سواه. مراهمُكِ الطبُّ. فمنذ لَبَّيْنا نداءَكِ وانخرطنا في جيش الحصار، وأنتِ شفيعةُ الجرحى والمرتجى لكلّ مصاب. إِشْفِهِ لي بحقّ عشتروت، ومدينةٌ لكِ مَليتّا بحياتها حتى النفس الأخير.
هارمونيا: وفّري على نفسكِ فيضَ الكلمات، ودعيني أتفحّص جرحه... ماذا أرى ؟ ليس من أثرٍ لجرحٍ في كتفه. إِنْ هو إلاّ خدشٌ بسيط ! يا لَخَيالِ الشباب المروَّعِ !
مَليتّا : وخيوطُ الدم التي جمّدها... لستُ أدري كيف تجمّدتْ على كتفه... أليستْ خطراً على حياته ؟
هارمونيا: خدشٌ بسيط، قلتُ لكِ، وليس بجرح. كثيراً ما يشوّش الرؤيةَ قلقُ الحرب. والأكيد أنّه أنساكِ ما تعلّمتِهِ عن كيفيّة تضميد الجروح. أنظري الآن إلى أصابعي تتحسّس المرهمَ في هذا الإناء. هكذا هكذا. ثم انظري كيف أملّس على الخدش بالمرهم... بأناةٍ وسلاسة. إنتهى الأمرُ في لحظات كما تَرَيْن... تِرونو! حرّكْ كتفكَ صعوداً وهبوطاً...
مَليتّا : كتفُه تتحرّك !
هارمونيا: إنهضْ، تِرونو، وارفعْ يديكَ الإثنتيْن إلى الأعلى ثم اخفضهما على مهل.
مَليتّا : لا أصدّق عينيَّ ! كأنما شُفِيَ تماماً ! لقد تبخّر أنينُه !
هارمونيا: خوفُكِ عليه هو الذي أوقع في قلبه الخوفَ.
مَليتّا : لقد عاد إلينا ... عاد إليَّ... وكأنما من سفرٍ بعيد ! هاتي يديْكِ أقبّلهما، يا رسولةَ الحبّ والشفاء إلينا !
هارمونيا: تلك مشيئةُ عشتروت... ولكنْ لم يخبرني أحدٌ منكنَّ ومنكم كيف حَدَثَ الذي حدث. أَوَ تَذْكُرُ، يا تِرونو، كيف تعرّتْ كتفُكَ ؟ أَمِنَ السهمِ الطائشِ الذي خدشكَ ؟ أم أنّ ...
مَلْفِيو : كلُّها غلطةُ القمر !
هارمونيا: غلطةُ القمر !!؟؟
آنّا : مَلْفِيو ! زِنْ كلماتكَ !
مَليتّا : وجهاً لوجهٍ وصدراً لصدرٍ... كنّا تِرونو وأنا... حينما السهمُ الطائشُ أصاب كتفه.
مَلْفِيو : ذلك ما عنيتُه بغلطةِ القمر !
هارمونيا: قمريّةُ عشتروت لَهْفُ نداءاتٍ للحبِّ، وفي ذلك أبداً لا يغلط القمرُ. سهمُ العشقِ وسهمُ الحربِ تَمَاسَّا في لحظةٍ مسروقةٍ من زمنيْن. إبتهجي، مَليتّا ! إبتهجْ، تِرونو ! فالأضدادُ لا تجتمع إلاّ في نبض الوجودِ الحيّ.
مَليتّا : ولكنْ... ملهمتي... لو لم يكنْ يسرفُ في ملاحقتي... لسانُهُ ويدُه... لما كان لتلكَ اللحظةِ أن تكون.
هارمونيا: إنَّ للشهوةِ فروسيّةً تجنحُ باللسانِ كما باليدِ. فلا تغالطي بكلماتكِ اللهفةَ التي ألّفتْ بين جسديْكما في فَرادةِ تلك اللحظة.
مَليتّا : ولكنه الجسدُ الجسدُ ما يورّطنا في أشراك اللذّة !
هارمونيا: تتذمّرين من الجسد ؟! تتشكّين من أشراك اللذّة ؟! إنّ التي فرضتْ عليكم وعليكنَّ الجسدَ، يا بنات أليسّا وأحفادها، شرّعتْ لكم ولكنّ اللذّةَ، جسرَ عبورٍ إلى جنّة الخصبِ والنماءِ. أليستِ الغايةُ من الشيء موجبةً لقانون الضرورة؟
مَليتّا : تعنين أنّ اجْتناءَ اللذّة من قوانين الضرورة ؟ لا أكثر ولا أقلّ ؟
هارمونيا: أجل، مَليتّا ! أجل، تِرونو ! وإنْ تكنِ اللذّةُ بلا حبٍّ رشوةَ الضرورة، فإنّ اللذّةَ بالحبِّ احتفال. وبه جديرٌ مَنْ يستحقّه. تلك هي مشيئةُ عشتروت، فَلْيُمَجَّدْ في عشتروتيّته القمرُ.
(من أقصى يمين المخيّم، يندفع ضابط وصبيّة من بنات أَليسّا صوب خيمة هنيبعل. تشير إليهما هارمونيا بالتوجّه نحوها. يحثّان خطاهما إلى حيث تقف هي وحولها الصبيّات ورفاقهنّ.)
هارمونيا: حماستُكما تنبئني بأنّ أمراً عظيماً حَدَثَ... أو على وشك الحدوث. مونَا ! عيناكِ يلتمع فيهما فرحُ الشبابِ وقلقُه ! عجّلي خبّريني كيف تلقّى القوّادُ والجندُ نبأَ شفاءِ هنيبعل؟
مونَا : إسألي سيرينْياس. لقد كان هناك لحظةَ بلّغتُهم الرسالةَ.
سيرينْيَاسْ: طاولتْ قاماتُهم أرجاءَ السماء ! جلجلتْ حجارةُ السور بأصداء صيحاتهم ! صدّقيني هارمونيا، كنّا وكأنما وُلِدَتْ فينا البطولةُ لأوّل مرّة، ولأوّل مرّة منذ بدء الحصار أحدثتْ مطارقُنا ثغرةً في السور العنيد.
هارمونيا: فلنمجّدْ مشيئةَ عشتروت !
( تتوحّد أصوات الصبايا والشباب بصيحةٍ مرفوعةٍ نحو السماء: "فَلْتُمَجَّدْ مشيئتُكِ يا عشتروت !"
هارمونيا: إنتظروني جميعكم هنا. سأنقل الخبرَ المجيدَ إلى هنيبعل.
سيرينْيَاسْ: وبلّغيه أنّ ضباط الصفّ الأول يحلمون بعودته إليهم ليشهد معهم انهيارَ السور.
هارمونيا: ومعه سيشهدون أكثرَ من انهيار السور. إنتظروني. سأطير إليه بالخبر.
(تندفع هارمونيا نحو خيمة هنيبعل، وقد رافقتْها كلُّ العيون. تدخل الخيمة. تختلط الأصوات الخافتة في الساحة للحظات، ثم فجأة يدخل من جهة اليسار ضابط وجندي ويتوقفان أمام سيرينْيَاسْ.)
الضابط : أنا يَنَايْسَسْ... رسولُ الوفد الرومانيّ إلى هنيبعل.
سيرينْيَاسْ : وأنا سيرينْيَاسْ. أرسلكَ الوفدُ أم حمّلكَ الرسالةَ قائدُ فرقتك ؟
يَنَايْسَسْ : طبعاً ! طبعاً ! حمّلني الرسالةَ قائدُنا القرطاجيّ، ولكنْ بالنيابة عن الوفد الروماني.
سيرينْيَاسْ : ستنتظر هنا معنا ريثما تعود إلينا هارمونيا من خيمة هنيبعل.
يَنَايْسَسْ : هارمونيا لا تزال في الجوار إذن ؟!!
سيرينْيَاسْ : كأنكَ تستهجنُ وجودَها في الجوار !؟
يَنَايْسَسْ : فقط ... أتعجّب.
سيرينْيَاسْ : تتعجّب ؟! لولاها لما كان نجا من جرحه.
يَنَايْسَسْ : وهؤلاء الفتيات... أَلَسْنَ من تبيعاتِ الطبيبة !؟
سيرينْيَاسْ : أنصحكَ ألاَّ تتفكّه في حضرتهنّ. هنّ مثلي ومثلكَ مقاتلاتٌ شجاعات.
يَنَايْسَسْ : بيني وبينك، وبصوتٍ خفيض، ألا تظنّ أنّ بدعةَ اصطحابِ النساءِ إلى أرض المعركة يشتّت عقلَ القوّاد والجند ؟
سيرينْيَاسْ : كنتُ أحسب ذلك أوّل الأمر. ولكنّ قيادةَ هارمونيا لهنّ أثبتتْ لنا عكس كلّ الظنون.
يَنَايْسَسْ : أحسبكَ تصدّق صوتَكَ ! صَدِّقْني، أفكاري تتهامس بها الألسنُ في أكثر من مخيّم.
( من الخيمة التي هي محطّ أنظار الجميع، يخرج هنيبعل وهارمونيا. يتّجهان صوب الجمع.)
هنيبعل: هذا زمنُ الفصلِ. فتحيّتي إلى مونَا وسيرينْيَاسْ اللذيْن حَمَلَا إليَّ، وإلينا جميعاً، نبأَ الثغرةِ التي أحدثها أبطالُ جيشنا في سور Saguntum.
سيرينْيَاسْ : إنما هو خبرُ شفائكَ من الجرحِ الذي أحدث جرحاً في السور العنيد.
هارمونيا : لا يُحْسِنُ مثلَ هذا التشبيه إلاّ خيالُ بطل !
هنيبعل: أمثالكم، شبّاننا، وأمثالكنّ، شابّاتنا، مَنْ يصنعُ زمنَ الفصل. فلكم ولكنّ من هنيبعل تحيّةُ النصرِ الذي سنغصبُ الزمنَ عليه.
( تلتهب حناجرُ الشبّان والشابّات بإسم هنيبعل، تردّده مرّات ومرّات.)
هنيبعل: ولكنْ مَنْ ذا الذي هنا أراه ! ؟ يَنَايْسَسْ ! ما الذي أتى بكَ إلينا ؟ هل من خطرٍ ألمّ بفرقتكم؟
يَنَايْسَسْ: بل أنا رسولُ الوفدِ الرومانيّ إليكَ.
هنيبعل : وفدٌ رومانيّ !!! هنا في جبهة القتال ؟
يَنَايْسَسْ: بل في مخيّمنا هم الآن. أَرْسَلوني لأستأذنَ منكَ...
هنيبعل : تعني يريدون الحضورَ إليَّ ؟
يَنَايْسَسْ: يرغبون في مقابلتكَ... وعلى الأخصّ رئيسُ الوفد.
هنيبعل : ومَنْ ذا يكون ؟ أليس له إسم ؟
يَنَايْسَسْ: السيناتور فَابْيَسْ.
هنيبعل : فَابْيَسْ بنفسه ؟!
يَنَايْسَسْ: أجل بنفسه. قال إنه يحمل إليكَ من قادة روما خبراً مهمّاً.
هنيبعل : ولماذا لم يرسلِ الخبرَ معكَ ؟
يَنَايْسَسْ: سادةُ روما طلبوا منه مقابلتكَ شخصياً.
هنيبعل: طبعاً ليطّلع مباشرةً على أوضاع جيشنا ! عُدْ إلى فَابْيَسْ ! خبّرْه عني أنني أعتذر عن استقباله لأنني لا أضمن له، ولا للوفد الذي يرئسه، سلامةَ تنقّلهم هنا في أرض المعركة... أو في مخيّمات الجند.
يَنَايْسَسْ: عفوكَ سيّدي ... ولكنْ ... !
هنيبعل: نفّذْ ولا تتلجلجْ ! بنوايانا نخاطب نواياهم، غيباً بغيب. عُدْ إليهم، ولا ترجعْ إليَّ ثانيةً بأيٍّ من أخبارهم. هيّا نفّذْ ولا تتردّدْ.
( في اللحظة التي يغيب فيها يَنَايْسَسْ في أقصى يسار الساحة، يدخل رجل متوسط العمر. يهرع إليه سيرينْياسْ وكأنما ليمنعه من التقدّم نحو هنيبعل.)
هنيبعل : تَنَحَّ عن دربه، يا سيرينْياسْ ! الرجل ليس غريباً عني. شامينْ ! تقدّمْ إليَّ.
شَامينْ : سيّدي، طوعَ أمركَ شامينْ.
هنيبعل : جِئْتَني بأخبار قرطاج أظنّكَ.
شَامينْ : والسيّد الذي أرسلني إليكَ أصرَّ عليَّ أن أتحدّث إليكَ على انفراد.
هارمونيا: لكَ ما تريد. فلننسحبْ جميعنا ونتركْ لكما الساحة.
( بينما يتفرّق الشبّان والصبيّات، وسيرينْياس معهم، يشير هنيبعل إلى هارمونيا أن تبقى قريبه منه.)
هنيبعل : قُلْ، شامينْ ! قُلْ وأوجزْ. كيف تركتَ الأمورَ في قرطاج ؟
شَامينْ : السيناتور مَاﭼو يوجزها بخطريْن.
هنيبعل : فَصِّلْ، شامينْ، فَصِّلْ !
شَامين : يقول بأنّ خصمَ البارسيديّين العنيد، هَانّو، لا يفتأ يؤلّبُ مجلسَ الشيوخ عليكَ.
هنيبعل : قديمةٌ قصّةُ هَانّو ... فما الجديد فيها ؟ ألم يشرحْ لكَ ؟
شَامينْ: حصارُكَ لِ Saguntumسيوقظ العيونَ النائمةَ في روما على الخطر الذي تشكّله "قرطاج الحديثة" على مصالح روما في إسبانيا، وربما غداً في الأرض الإيطالية.
هنيبعل: ليس في روما من عيونٍ نائمة. إذنْ ما الذي بالضبط يدور في خَلَد مَاﭼو ؟
شَامينْ: هَانّو، كما يرى مَاﭼو، يتحرّكُ على خطّيْن. أَلَّفَ بين مؤيّديه في مجلس الشيوخ وبعض كهّان معبد مِلْقَارْتْ. أقام بينهما حلفاً يعترضان من خلاله على مسألة الحصار، كما يستهجنان البدعةَ التي ابتدعتَها في اصطحابكَ بناتِ أَليسَّا إلى جبهة الحرب. هارمونيا، ينشرون في قرطاج الخبرَ، توجّج فيكَ طموحَكَ العسكريّ بالتوسّع وحلمَكَ بالإستقلال عن قرطاج الأم. ناهيكَ عن الغمزِ واللمزِ في موضوع الإغواءاتِ الجنسيّة التي تهدّد بإنحلال الجيش. سيّدتي هارمونيا، أستميحكِ عذراً لِنَقْلي هذا الخبر.
هنيبعل : لم تغبْ عن بالي كلُّ هذه الإحتمالات ... ولا عن بالها.
هارمونيا: إنما أنا رسولةُ عشتروت التي أوّلُ همومها مَحْوُ العارِ الذي ألحقتْه روما بقرطاج زمن هَمِلْقَارْ بَرْقَهْ. إبنُ هَمِلْقَارْ قَدَرُهُ أن يتفوّقَ على عبقريّة أبيه. ولكنني أفهم جيداً حسدَ الكهّانِ لما اختصّتْ أنثويّتي به دونهم السماءُ.
هنيبعل : إي، شَامينْ، وما هو الخطُّ الآخرُ الذي عليه يتحرّك هَانّو ؟
شَامينْ : مَاﭼو يقول بأنّ هَانّو وخصومَكَ الأُخَرَ يعملون على توسيع مساحة الأرض الزراعية التي شماليّ قرطاج، وعلى استغلالها، لزيادة منتوج الحبوب والخضار والفاكهة... للإستغناءِ نهائياً عمّا تزوّدُ به "قرطاجُ الحديثة" قرطاجَ الأم. رأيُهُ أنهم بذلك سيحرمونكَ من القدرةِ على ابتزازهم.
هنيبعل : إبتزازهم !!!
شَامينْ : إستقلالُهم الإقتصاديّ سيقوّي موقفَهم ضدّكَ داخل مجلس الشيوخ وفي مجلس الشعب، الذي هو عقر داركَ. ذلك هو تفسيرُ ماﭼو.
هنيبعل: أوضحُ من ضوءِ القمرِ الأمورُ هي الآن. عُدْ إليهم. عُدْ إلى مَاﭼو عنيتُ. إهمسْ في أذنه الوحيَ الذي تشاطرني سِرَّهُ هارمونيا، حليفةُ الرؤى وحليفةُ أرض القتال.
شَامينْ : أهمسُ في أذنه ماذا ؟
هارمونيا: أنّ هنيبعل يهيّء الآن من مناجمه الإسبانية كتلةً هائلةً من خالص الفضّة ... ليرسلَها مناصفةً -- مناصفةً أقول -- إلى مجلس الشيوخ ومجلس الشعب.
هنيبعل : ليتمكّن مجلسُ الشيوخ من صَكِّ العملةِ التي بها يصرِّفُ شؤونَ الدولة، جيشاً وموظفين وقضاءً. وليتمكّنَ مجلسُ الشعبِ من تيسير حياة الشعب الإقتصادية والغذائية.
شَامينْ : سيّدي ! سيّدتي ! أليس في هذا الوحي إيحاءٌ بشيءٍ تحجبه عنّي الكلماتُ ؟
هارمونيا: مَاﭼو غنيٌّ عن الشرح. وأنتَ غنيٌّ عن السؤال.
هنيبعل: إهمسْ في أذنه أيضاً أنّ وفداً من روما في طريقه الآن إلى قرطاج... فَلْيُهَيِّءْ أصدقاءَنا في مجلس الشيوخ لمعارضة أيّ تنازل لروما قد يحاول مناصرو هَانّو أن يقدّموه إلى الوفد الذي رفضتُ أنا استقبالَه في مخيّمي العسكريّ. وليعجّلْ بإشاعةِ الخبرِ في مجلس الشعب، كما في شوارع قرطاج، أنّ جيشنا قد أحدث ثغرةً قَدَرِيَّةً في سور Saguntum، وأنّ سقوطَ المدينة أقرب من قريب ... قُلْ له بالحرف الواحد أنّ احتشادَ المعترضين على وصول الوفد يجب أن يحوّل الشوارعَ إلى جبهة رفض.
شَامينْ : سأحمل الرسالتيْن بذاكرتي وقلبي.
هارمونيا:إمضِ إذن، ولْتحرسْ خطواتكَ عشتروتُنا التي لا تأخذها غفوةٌ ولا غفلةٌ.
هنيبعل : إمضِ، شَامينْ، واحرصْ أن تظلَّ متخفّياً، كما إلينا أتيتَ.
( وإذ يغيب شَامينْ في أقصى يسار الساحة، تعلو أصوات متشنّجة مبهمة لا تلبث أن تتّضح شيئاً فشيئاً مع دخول أربعة جنود قرطاجيين يدفعون أمامهم، بأطراف رماحهم القصيرة، رجليْن غريبيْن. الآن تكون بناتُ أَليسَّا ورفاقهنّ وسيرينْيَاسْ، قد إلتفّوا حول هنيبعل ... وبينهم جنديّ قرطاجيّ يتّشح بوشاح أسود، لعله إنبثق من إحدى الخيمات في خلفيّة الساحة.)
الجندي الأول : ضبطناه يتسلّل سرّاً إلى مخيّمنا هذا الغريبَ ... والغريبَ الذي معه.
الجندي الثاني : لا قرطاجيّةٌ لَكْنَتُهما ولا إسبانيّة !
الجندي الأول : جاسوسيْن لروما أظنّ.
الغريب الأول : من روما جئنا ... صحيح. ولكننا أصدقاءُ لهنيبعل.
هنيبعل : فِرْنَانْدو ! من صوتِكَ عرفتُكَ !
فِرْنَانْدو : وهذا أَلُنْظو ... دليلي في الطريق.
هنيبعل: أَبْعِدوا عن ضيفيَّ هذي الرماحَ ! خبّرْني، فِرْنَانْدو، الرياحُ التي عادتْ بكَ إلينا، أرهقتْكَ لعلّها بأخبارٍ ثقالٍ ؟
فِرْنَانْدو : بل بأخبارٍ خفافٍ حملتْني إليكَ ... أخبارٍ لا تليق إلاّ بقيادتكم البصيرة بشؤون الحرب.
هنيبعل : هيّا إذن أتحفْني بأخبار روما.
هارمونيا: فَلْننسحبْ من جديد ولْنتركْ لهنيبعل وضيفيْه الساحةَ.
هنيبعل :بل إبقوا جميعاً. تلقّفوا معي الأخبارَ السعيدة وأذيعوها في الخطوط الأولى للحصار.
هارمونيا: فَلْنتأكّدْ أوّلاً من صحّة الأخبار.
( يخطو الجندي المتّشح بالسواد خطوتيْن صوب هنيبعل.)
هنيبعل : فِرْنانْدو هو رسولي إلى روما. كنتُ اخترتُه من إحدى القبائل الإيطالية المناهضة لسطوة روما. فاطمئنّي إلى أخباره، حليفةَ الرؤى وحليفةَ أرض القتال. تكلّم، فِرْنَانْدو !
فِرْنَانْدو : صَدْعاً بأمركَ، يا سيّدي، إنطلقتُ إلى روما متخفّياً ... أعني متخفِّيَ النوايا. جُبْتُ، بصحبة دليلي، شوارعَ روما. وعن قصدٍ تلكّأتُ في الشوارع المؤدّية إلى مجلس الشيوخ. تلقّفتُ أحاديثَ الناس على الأرصفة وفي الساحات. رصدتُ التمتمات من على أبواب الحوانيت. كلُّ كياني كان أذناً واعية. وأذني الواعية كانت كَشَرَّاقَةٍ للأنسام التي تحمل الصوتَ والهمسةَ والآهةَ والحشرجةَ.
هنيبعل : زبدةَ الأخبارِ، فِرْنَانْدو ؟ زبدةَ الأخبار ؟ !
الجندي المتشح بالسواد: أجل ! أجل ! زبدةَ الأخبار ؟!
فِرْنَانْدو : مجلسُ الشيوخ منقسمٌ على نفسه.
هنيبعل : تلك فضيلةٌ من فضائل مجلس الشيوخ !
فِرْنَانْدو : سيّدي ؟!!
هنيبعل : لا عليكَ ! أتمَّ حديثَكَ، فِرْنَانْدو، ولكنْ أوجزْ.
فِرْنَانْدو : رُسُلُ Saguntum إلى مجلس الشيوخ يستغيثون. يلحّون على روما بإرسال المَدَدِ العسكريّ والغذائيّ. يؤكّدون أنّ أهل المدينة في حالة يأس. حتى أنّ الكثيرَ منهم يقترح إحراقَ المدينة لتجنّبِ العار.
هنيبعل : سبقتْهم إلى هذه الفضيلة الفينيقيّةُ صيدون.
هارمونيا: سبقتْهم أجل. وإنّي بالوحيِ لَأَرى من خلف الأسوار النارَ ترتفع من قلب المدينة شُعَلاً شُعَلاً.
فِرْنَانْدو : ولكنّ الأدهى الأدهى...
هنيبعل : وما الأدهى الأدهى ؟ بيّنْ ! فصّلْ !
فِرْنَانْدو : ... أنّ النخبةَ منهم تتّهم روما بالتخلّي عنهم، بنقضِ الحلفِ الذي بينهما. ونقضُ الحلفِ عارٌ... عارٌ على روما !
الجندي المتشح بالسواد: عارٌ على روما ! عارٌ على روما !
هنيبعل : ومجلس الشيوخ؟ كيف استجاب لكلّ ذاك ؟
فِرْنَانْدو : خطباؤهم أقنعوا أعضاءَ المجلس أنّ هيبةَ روما في خطر، أنّ سقوطَ Saguntum سيكون رسالةً لحلفاء روما في كل مكان للتحلّلِ من تحالفاتهم والتوجّه إلى قوى أخرى للتحالف معها. آخرَ الأمرِ تمّ الإتفاقُ على تجهيز فرقة خاصة ودَفْعِها بسرعة لإنقاذ Saguntum والذود عن سمعة روما.
هنيبعل : فات الأوان ! فات الأوان، يا روما ! سيلطّخ جبينَكِ العارُ بين عشيّة وضحاها.
هارمونيا: صَدَقَ هنيبعل ! ونَفَذَتْ مشيئةُ عشتروت ! فات أوانُكِ، يا روما ! فات الأوان !
( يندفع الجندي المتّشح بالسواد نحو هنيبعل، وقد إستلّ خنجراً صغيراً من داخل ردائه.)
الجندي المتشح بالسواد: وآن أوانُكَ الآنَ، يا هنيبعل !
( يحاول طعنه، فتضرب على ذراعه بكل قوّتهاهارمونيا، فيضلّ الخنجرُ عن هدفه. الشبّان والجنود يكونون قد ثــــَبــّتوا الجندي المعتدي في مكانه.)
هارمونيا: حذارِ أن تلمسوا رأسَ الخنجر ! ألا ترونه مضمّخاً بالسمّ الأخضر ؟
(الجندي الذي كان قد إنتزع الخنجر من يد المعتدي يلقي به إلى الأرض ويرفسه بعيداً.)
هنيبعل (للجندي المتّشح بالسواد): قرطاجيٌّ أنتَ ؟
الجندي المتّشح بالسواد: وعدوُّكَ، يا عدوَّ قرطاج !
هارمونيا: من قلب الجيش !!! وتتجرّأ على الخيانة ؟
هنيبعل : إرادةُ مَنْ تسوسُ إرادتَكَ ؟
الجندي المتشح بالسواد: إرادةُ الحريّة !
هنيبعل : وكيف تتحقّق لكَ الحريّةُ بقتلي ؟ خبّرْني، أيّها الشاب، ما اسمكَ ؟
الجندي المتشح بالسواد: أنا الذي لا إسمَ له ! والذي له كلُّ الأسماء !
هنيبعل : هل من عَرَّافٍ أرسلكَ ؟
الجندي المتشح بالسواد: بل عارفٌ بكَ الذي أرسلني !
( يضغط سيرينْيَاسْ برأس رمحه على بطن الجنديّ المتّشح بالسواد.)
سيرينْيَاسْ: صرّحْ بالإسم وإلاّ...
( يضغط أكثر فتندّ عن الجندي صرخات وجع.)
الجندي المتشح بالسواد: كاهن...
هنيبعل : كاهن ! أيّ كاهن ؟
( يضغط سيرينْيَاسْ برمحه أكثر فأكثر.)
الجندي المتشح بالسواد: ... من معبد ... مِلْقَارْتْ !
هنيبعل : والكاهنُ ... إرادتُه تسوسها إرادةُ مَنْ ؟
( يضغط سيرينْيَاسْ أكثر فأكثر. صرخات وجع متتالية.)
الجندي المتشح بالسواد: هَانّو !
هنيبعل : هَانّو تقول ؟
الجندي المتشح بالسواد: هَانّو ... هَانّو ... كما أخبروني.
هنيبعل : أرسلوا إليكَ رسولاً من قرطاج، تعني ؟ مَنْ هو ؟ أين هو الآن؟
( سيرينْيَاسْ يواصل الضغط.)
الجندي المتشح بالسواد: الآن ... لعلّه وصل ...
هنيبعل : وصل إلى أين ؟ إلى أين وصل ؟
(سيرينْيَاسْ يواصل الضغط.)
الجندي المتشح بالسواد: إلى ... قرطاج.
هنيبعل : لَكُنْتُ عذرتُكَ وعفوتُ عنكَ لو كنتَ غريباً. ولكنْ من قلب جيش هنيبعل وتغويك الخيانةُ؟! خذْ مني الآن ثمنَ أتعابك !
( يطعنه بسيفه فيتهاوى بين أرجلهم بلا حسّ ولا حركة. يحمل الجثّةَ إثنان من الجند ويغيبان بها خلف إحدى الخيمات. بصمت مهيب، وبحركة صارمة من يده، يشير هنيبعل إلى الجميع أن يُخْلوا الساحةَ ويتركوه لأفكاره. يتفرّق الشبّان والصبايا والجند وتتلاشى أطيافُهم داخل الخيمات أو خلفها. وحدها هارمونيا تظلّ بقربه. لحظةَ ينتبه إلى وجودها، يلتفت إليها متأمّلاً إيّاها بأناة وكأنه يراها لأول مرة.)
هارمونيا: تَراني كأنكَ لأوّل مرّة !
هنيبعل : ولأوّل مرّة أراكِ الآن... كما لم أكنْ رأيتُكِ من قبل.
هارمونيا: لم يتغيّرْ فيَّ شيء. لم أزلْ أنا أنا.
هنيبعل : إذن أنا الذي تغيّرتُ.
هارمونيا: تغيّرتَ كيف؟
هنيبعل : لحظةَ سدّدتُ السيفَ إلى قلب ذلك البائس الخؤون، ظَنَنْتُني إلْتمع بين عينيَّ وهجٌ لم أعرفْ من أين هبط عليَّ، إلْتمع وانفرط فجأة إلى حُبَيْبَاتِ نورٍ، نورٍ كأنه انْسرق من لونِ القمر.
هارمونيا: القمرُ حليفُكَ، يا هنيبعل.
هنيبعل : ولكنَّ انفراطَ النور ...!؟
هارمونيا: أَوَ ذاك الذي غَيَّرَ فيكَ الذي غَيَّرَهُ ؟
هنيبعل : كانت كأنها لحظةُ كَشْف.
هارمونيا: كشفٍ عن ماذا؟
هنيبعل : عن الوجودِ. عنّي وعنكِ. عن معنى الحياة والموت. الأمورُ اختلطتْ كلُّها في لحظةَ خَطْفٍ ... ولكنها اختلطتْ، كما أحسستُ، لا لبلبلتي، بل ليضيء بعضُها على بعض.
هارمونيا: لحظةَ سُدِّدَ إليكَ الخنجرُ وأطاحتْ به يدي وأطاح بروحِ الخائنِ سيفُكَ، إذّ ذاك، إذّ ذاك وُلِدَتْ لحظةُ الخطْفِ كرؤيا واعية. فَلْتطمئنَّ روحُكَ لها، يا هنيبعل.
هنيبعل : ولكنها الومضةُ التي فتحتْ عينيَّ على قيمة اللحظة التي نكون فيها معاً أنا وأنتِ. الزمنُ تنفرط أيّامُه، التي هي أيّامُنا، فَلْنَنْجُ من انفراطها بتوحّدنا. ليلُ الخيمة ينتظرنا، فَلْندخلْ ولْنرسمْ من وهج لذّتنا المسوَّفةِ قمراً يهزأ نورُهُ بوهجِ نيرانِ كلِّ الحروبِ، رماديّةِ كلِّ الحصاراتِ، وسوادِ سوادِ كلِّ الخيانات. هيّا بنا، هارمونيا ! هيّا بنا ! فغداً صباحاً سأكون على رأس جيشي لهدم ذيّاك السور العنيد.
هارمونيا: لهدمِ السورِ ... نعم ... ولتشييدِ ما أمرتْ به عشتروت.
هنيبعل : ذلك المعبدُ لم يئنْ أوانُه بعد. ليلُ الخيمةِ الآنَ معبدُنا. معبدُ جسديْنا، أقول.
هارمونيا: أَنَّى لرئيسةِ كاهناتِ المعبدِ أن تنقضَ عهدَها لعشتروت ؟ لا ! يا هنيبعل ... وألف لا! أنتَ لن تحظى بجسدي حتى تنشيء لإلاهتي معبداً وسط مدينة Saguntum، ومعبداً آخرَ على ضفاف بحيرةٍ وسط الأدغال القريبة، حيث هنالك أنضو عن جسدي ردائي وأهبط إلى مياه النبع الصافية لأستحمَّ، وحيدةً، تحيط بي حوريّاتي القرطاجياتُ ... وهنالك، حينما أتمُّ طقوسَ اسْتحمامي، أنهضُ إلى المعبد القريب لأتعرّى لكَ، بوحيٍ من سيّدتي النديّة، وعلى وهج النار المقدّسة نَتَفَانى، أنا وأنتَ، في صلاةٍ عشتروتيّةٍ لا تُحْسِنُ إلاّ مثلَها مثلي.
هنيبعل : ضَجيعُكِ الكلماتُ ! أَفَما آن للكلماتِ أن تترجّلَ لسواها عن مُشْتَهَاتي ؟
هارمونيا: أبداً ! أبداً ! ما آن لها ! وما آن لنا ! أبداً ! مطلقاً ! ما آن !
( بتصميم غرائزيّ، يلفّ هنيبعل ذراعه القويّة حول كتفيْها ويشدّ خطواته صوب فتحة الخيمة، متجاهلاً محاولاتها المتكررة لتثبيت قدميْها في الأرض، وصَامَّاً أذنيْه عن ترديداتها المتشنّجة أَنْ "ما آن لها ! ما آن لنا ! ما آن !". وإذ تنغلق خلفهما فتحةُ الخيمة، تتسلّل منهما إلى الفضاء همساتٌ متناحراتٌ... وهمهماتٌ مبهمات.)
المشهد السابع
(مخيّم عسكريّ لجيش هنيبعل، قريباً من أسوار روما. من بين الخيمات المنتشرة بكثافة تنبعث أصوات خافتة لا تلبث أن تتّضح كلماتٍ ومعانيَ بظهور سَايْلِنُسْ وسوسيلُسْ.)
سايْلِنُسْ: مهلكَ ! مهلكَ ! فأين يضعنا هذا الحوارُ كمستشاريْن مقرّبيْن من هنيبعل، الرابضِ الآن بجيشه ههنا على بوّابات روما؟
سوسيلُسْ: يضعنا في موقف المرجِّح واللامرجِّح لإحتمال دخوله تلك البوابات.
سايْلِنُسْ: ولعلّكَ توافقني الرأي أنّ الترجيحَ واللاترجيحَ يصدّع تطلّعاتِ الجيش إلى نصرٍ قريب.
سوسيلُسْ: تماماً كما يصدِّع الهويّةَ التي رَسَمْنا ملامحَها لهنيبعل. ربما هو التردّد الذي...
سايْلِنُسْ: تَرَدُّدٌ هو... أم أنها واحدة من استراتيجيّاته الخفيّة، من تشظّيات خياله العسكريّ العصيّ على مداركنا؟
سوسيلُسْ: المهم الآن أن يسرق من الزمن تناقضاته ويطلع على الدنيا بقرار حاسم للجدل.
سايْلِنُسْ: الإنتظارُ قدرُنا. ولكي نخفّف عنّا عبءَ الإنتظار، فلنبحثْ عن هَارْمونْيا، نحاورها قليلاً، فإنّ لها عليه دالّةً لم تكنْ في حسبان مثقِّفٍ ولا مؤرِّخٍ.
سوسيلُسْ: لنمضِ في ذلك الدرب. خيمتُها... لعلها قرينةٌ لخيمة هنيبعل.
سايْلِنُسْ: لم تَفُتْني التورية في كلماتك.
(يغيبان بين الخيمات. من جهة اليسار، يدخل حيرامْ، سَاﭬونْ، و يَنَايْسَسْ. وجوههم تنبيء بقلق مشوب بالغضب. فجأة يتوقفون. يتفحّصون المكان ويتبادلون النظرات.)
يَنَايْسَسْ: نحن وحدنا الآن.
حيرامْ: قل، يَنَايْسَسْ! أفرغْ جعبتَكَ التي كنتَ تلوكها طوال الطريق.
يَنَايْسَسْ: ألا تَرَيَانِ معي أنّ بإستطاعتنا... وحدنا...؟
سَاﭬونْ: تعني في غياب هنيبعل؟
يَنَايْسَسْ: في غيابه... أو تغييبه...!
سَاﭬونْ: عن ساحة القتال تعني؟!
حيرامْ: عن ساحة القتال... أجل.
سَاﭬونْ: تعنيان أنْ نقتحمَ بوّابات روما... بدون إذنه؟!
يَنَايْسَسْ: وهل ترك لنا سوى هذا الخيار؟
سَاﭬونْ: مهلكَ! مهلكَ! فمجرّد الهجس بهكذا أمنية...
حيرامْ: يُعْتَبَرُ خيانةً، تريد أن تقول؟
يَنَايْسَسْ: ليس إذا كتمتْ سرَّنا عيونُنا وأفواهُنا.
سَاﭬونْ: تَنَفَّسَا بعمق! إستردّا إلى رئتيْكما رذاذَ الكلمات التي اضطرب الجوُّ من غرابتها والهواءُ.
حيرامْ: لم نَعُدْ وحدنا الآن! الشكُّ تسلّل بيننا والخلاف. فلنمضِ إلى ركن آخر نستردّ فيه صفاءَ أفكارنا قبل أن نلقاه.
(يغيبون بين الخيمات. من جهة اليمين يدخل جنديان مسلّحان.)
الجندي الأول: ننتظره هنا.
الجندي الثاني: متأكّدٌ أنتَ أنه قادم من تلك الجهة؟
الجندي الأول: هي الجهةُ الوحيدةُ التي توصله إلى معسكرنا.
الجندي الثاني: أظنّكَ على حقّ. أنظرْ... هناك هناك.
الجندي الأول: هو بعينه، رسولُ هَسْدْرُبَالْ، الأخِ القائدِ لهنيبعل.
الجندي الثاني: حسنٌ أننا لم نتأخّرْ، وإلاّ لكان فَاتَنَا أن نلقاه.
(يصل رسول هَسْدْرُبَالْ إلى حيث يقف الجنديان. يتوقف ويتأملهما، متردّداً متحيّراً.)
رسول هَسْدْرُبَالْ: ألستُما أنتُما...؟
الجندي الأول: أجل، أجل، نحن اللذان انتظرْنا وصولَكَ من إسبانيا في المرّة السابقة. أدونيسْ أنتَ، والعينُ لا تخطئكَ.
رسول هَسْدْرُبَالْ: أدونيس أجل. وأنتما أنتما. إلى هنيبعل إذن. هيّا بنا. هيّا.
الجندي الأول: بل تنتظره هنا... معنا هنا.
أدونيسْ: وَلِمَ الإنتظار؟ الأخبارُ التي أحملها إليه من إسبانيا ملحّةٌ ملحّة.
الجندي الثاني: لا بدّ من الإنتظار. تلك هي أوامرُ قائدِنا.
الجندي الأول: مشغولٌ هو الآن بجولته التفقّدية لفرق الجيش. ولسوف تنتهي به جولتُه إلينا.
(من جهة اليمين، يدخل هنيبعل محاطاً بضبّاطه وحرسه. يصل موكبُه إلى حيث الرسول والجنديان. يتأمّل هنيبعل الرسولَ لحظةً.)
هنيبعل: بيننا ثانيةً أدونيسْ!
أدونيسْ: رسولاً إليكَ من هَسْدْرُبَالْ.
هنيبعلْ: وصلتَ في موعدك. إذن لم تَلْقَ أيّة مصاعب في رحلتكَ.
أدونيسْ: المسافةُ من إسبانيا إلى إيطاليا تعوّدتُ على قطعها... الصعوبةُ الوحيدةُ هذه المرّة كانت في تعرّجات السير التي فرضتْها عليَّ ظروفُ العِداءِ الذي أخذتْ تجاهر به من جديد بعضُ القبائل المتمرّدة.
هنيبعلْ: في إسبانيا تعني؟
أدونيسْ: وفي أجزاء من إيطاليا كذلك.
هنيبعلْ: في إسبانيا، هَسْدْرُبَالْ يعرف كيف يواجه المتغيّرات. وفي إيطاليا، جيشُ هنيبعل أَدْرى بثوابت الأرض ومتحرّكاتها. خبّرْني إذن الأخبارَ التي حَمَّلَكَها إلينا هَسْدْرُبَالْ.
(فجأةً، ولدهشةِ هنيبعل والذين حوله، تنسرب من بين الخيمات إلى حيث هم هارمونيا وخلفها سَيْلٌ من بنات أليسّا المسلّحات.)
هنيبعلْ: على وجهكِ إستفهامٌ وفي نظراتِكِ حيرة!
هارمونيا: ألم يَعُدْ بعدُ كبيرُ مفاوضينا من روما؟
هنيبعلْ: حينما ينتهي من المهمّة التي أرسلتُه بها... حتماً سيعود.
هارمونيا: لقد طال غيابُه!
هنيبعلْ: طال غيابُه أم أنّكِ تستعجلين إيابَه؟
هارمونيا: بل جَمٌّ خوفي أن يكون أصابه مكروه... أن يكونوا سجنوه... ورفاقَه... أو حتى...
هنيبعلْ: رفقاً بروحكِ، هارمونيا! المنتظِرُ انتظارُهُ مقاديرُه. وللغائبِ معاذيرُه!
هارمونيا: إذن عفوكَ ثم عفوكَ! لعلّني تطفّلتُ، بحضوري المفاجيء، على لقائكَ برسولِ هَسْدْرُبَالْ!
هنيبعلْ: بل وصلتِ في الوقتِ المناسب لتستمعي معي إلى الأخبار الوافدة إلينا من إسبانيا... (لأدونيسْ) قُلْ، أدونيسْ! هيّا قُلْ وأوجزْ.
أدونيسْ: منذ أشعل النارَ في Saguntum أهلُ المدينة وجندُها، منذ سقوطِ المدينة في قبضة أمير الحرب، والقبائلُ التي خضعتْ ألسنتُها لهنيبعل ظلّتْ قلوبُها على ولائها لروما.
هنيبعلْ: يعلم ذلك هنيبعل !
أدونيسْ: ولكنها هذه المرّة تجرّأتْ حتى على حمل السلاح.
هنيبعلْ: من أجل هؤلاء تركتُ هَسْدْرُبَال في إسبانيا.
أدونيسْ: ولقد كان لهم بالمرصاد. غير أنه تعرّض لمحاولة اغتيال.
هنيبعلْ: والجهةُ التي تجرّأتْ... هل كانت من تلك القبائل؟
أدونيسْ: بل خصومُ البارسيدييّن في مجلس الشيوخ... في قرطاج... هم الذين...
هنيبعلْ: ... أرسلوا عميلاً لهم لإغتياله؟
أدونيسْ: ثلاثةً منهم كما اتّضح لنا على ضوء اعترافاتهم. لحسن حظّ هَسْدْرُبَالْ أنهم، ليلةَ المحاولةِ، فضحتْهم أشعّةُ القمر.
هارمونيا: وحده القمرُ حليفُ البارسيديّين. وحده الثابتُ رغم تدرّجات تجلّياته وغيابه.
هنيبعلْ: أَتِمَّ رسالتَكَ، أدونيسْ. أَتِمَّهَا وأوجزْ.
أدونيسْ: عيونُ هَسْدْرُبَالْ في إسبانيا، متحالفةً مع عيون مَاﭼو في "قرطاج الأم"، تؤكّد إشاعةَ إرسالِ هانّو وأنصاره عملاءَ لهم ضمن الفرقة التي هي الآن في طريقها لنصرتكَ في حصار روما... بنيّةِ اغتيالكَ. وذلك بالطبع بمباركةِ كبيرِ كهّانِ معبدِ ملقارتْ!
هارمونيا: معبد ملقارتْ، تقول؟! وكبير كهّانه؟!
هنيبعلْ: السُّمُّ يُرْسَلُ إلينا مغلّفاً بالترياق! تماماً كما توقعتُ.
هارمونيا: ولكنْ ما لم تتوقّعْه أنتَ، ولا توقّعتُه أنا، أن يُبَارَكَ السُّمُّ في معبد ملقارتْ!
أدونيسْ: هَسْدْرُبَالْ وماﭼو يحثّانكَ على مزيدٍ من اليقظة. بصوتٍ خفيض لا بدّ أن أضيف خبرَ أفظعِ الإحتمالات. هانّو وأنصارُه يتفاوضون سرّاً مع قادة روما لإرسال جيش روماني بقيادة سْكوبْيوُ إلى الشمال الإفريقي لتهديد "قرطاج الأمّ"، ولكي يعجّل المجلسُ إلى استدعاء هنيبعل إلى إفريقيا لإنقاذ المدينة، فيضطّر هنيبعل إلى فكّ الحصار عن روما.
هنيبعلْ: هي الإشاعةُ التي قد تتطوّر إلى حقيقة. يعلم ذلك هنيبعل. ولكنْ حتى ذلك الحين، روما ستظلّ سجينةَ أسوارها العتيّة.
أدونيسْ: لا تخْفَى على سيّدي خافية. ولهذا أنتَ هنيبعل ياهنيبعل.
هارمونيا: ولهذا كانتْ إلهاماتُ عشتروت لقائدنا وَحْياً وكَشْفاً. أبشرْ، هنيبعل، أبشرْ! فمشيئةُ عشتروت ستدكُّ بسيفكَ بواباتِ روما، غاسلةً عارَ النوايا!
هنيبعلْ: نوايا! نوايا! بين نيّة السيف ونيّة حامله، بين نوايا الأرض ونوايا السماء، بين هذه وتلك وتِلْكُنَّ وتِلْكُنَّ يتأرجح غيبُ المصائر. لذلك أدركْنا، أدونيسْ، ببقيّة رسالتكَ، بالغيبِ من أخباركَ.
أدونيسْ: بقيّةُ أخباري تباشير.
هنيبعلْ: هاتها إذن بشرى فبشرى.
أدونيسْ: تتويجاً لوصاياكَ، أَتَمَّ هَسْدْرُبَالْ بناءَ معبدٍ لملقارت ونُصُبٍ لهرقليسْ...
هارمونيا: وهل بلغتْ به الجرأةُ حدَّ التناسي لمعبد عشتروت؟!!
هنيبعلْ: هارمونيا! إقتصدي في غُلُوِّكِ!
هارمونيا: غلوّي!!؟
أدونيسْ: سيّدتي... لم أُتِمّ بعد...
هارمونيا: ملقارت وهرقليسْ يُقَدَّمَانِ على سيّدة المصائر، وأُتَّهَمُ بالغلوّ؟
هنيبعلْ: غلوّكِ أفقدكِ الصبرَ، هارمونيا! وحماسُكِ ضيّق عليكِ أفقَ الرؤى!
أدونيسْ: ولكنْ سيّدتي...
هارمونيا: "ولكنْ" تزعجني! و"سيّدتي" لم يَعُدْ لها طعم!
أدونيسْ: ولكنْ سيّدتي لقد تَمَّ بناءُ معبدٍ لعشتروت! تَمَّ قبل مغادرتي إسبانيا بشهر.
هارمونيا: تَمَّ؟ وماذا يعني أنه تَمَّ إذا كان قد قُدِّمَ عليه بناءُ سواه؟
هنيبعلْ: كما الدنيا تتّسع لكافة الشعوب، كذلك الأرضُ تتّسع لكافة المعابد.
هارمونيا: ولكنه التوقيت! التوقيت الخطأ! هل أنتَ نسيتَ، وهل لا يدرك هَسْدْرُبَالْ، أنّ تقديمَ بناءِ معابدِ الآلهةِ الأُخَرِ على معبد عشتروتْ إنّما هو إزدراءٌ لخالقةِ الزمنِ، لسيّدةِ المواقيتِ والمصائر؟
أدونيسْ: سيّدتي... بناءُ المعبديْن والنُّصُبِ كان يجري في نفس الوقت. لم تكن هناك نيّةٌ بتقديمٍ ولا تأخير. الصدفةُ وحدها أنهتْ بناءَ معبد قبل معبد. (لهنيبعل) هل من أوامر إلى هَسْدْرُبَالْ يحمّلني إيّاها هنيبعل؟
هنيبعلْ: قُلْ له أن يطفيءَ الفتنَ قبل اشتعالها، فإنتظارُ الحرائقِ إغراءٌ بإيقادها.
أدونيسْ: أُطْبِقُ ذاكرتي على الحكمة وأمضي بها إليه.
(يمضي بعيداً ويغيب في أقصى يمين المخيّم.)
هارمونيا: أصبتَ، هنيبعل.
هنيبعلْ: في أي أمرٍ تعنين؟
هارمونيا: في أمرِ الإنتظارِ.
هنيبعلْ: إنتظارِ الحرائق...؟
هارمونيا: ... كَوْنِهِ إغراءً بإيقادها!
هنيبعلْ: شيءٌ في صوتكِ يخفي شيئاً غير الثناء!
هارمونيا: لعلّه العجبُ من التناقض بين الفعل والقول.
هنيبعلْ: أفصحي، هارمونيا، فالوقتُ لا يتّسع لإلتفافِ الكلمات.
هارمونيا: توصي هَسْدْرُبَالْ بتجنّبِ الإنتظارِ، وتُبْقي جيشكَ على بوابات روما في حالة إنتظار؟!!
هنيبعلْ: روما والقبائلُ الإسبانية لا يستويان في عين هنيبعل. إحتلالُ روما حلمُ الجميع، ولكنّ إخضاعَ روما دون إحتلالها هو جوهرُ القضيّة.
هارمونيا: أقنعْ بذلك قوّادَكَ ومستشاريكَ!
(من بين الخيمات يبرز سايْلِنُسْ وسوسيلُسْ.)
هنيبعلْ: معلّمي ورفيقي، سوسيلُسْ! ذاكرتي الثقافيّةُ أنتَ. وتقديرُ الإستراتيجيات هو ما يجمعني، اللحظةَ، بكَ وبصديقنا المؤرّخ سايْلِنُسْ.
سايْلِنُسْ: وإنْ هي إلاّ اللحظةُ التي تقف بهنيبعل على شفير الإحتمالات، فيتهيّبُ التاريخُ النظرَ في كافّة الإتجاهات.
هارمونيا: لا تحدّثْنا عن التاريخ! هنالكَ أمرٌ واحدٌ يشغل التاريخَ الآن. مسيرةُ هنيبعل من إسبانيا إلى بوّابات روما... هل ستحقّق مشيئةَ التي ألهمتْ هنيبعل خوضَ هذه الرحلة القَدَرِيَّةِ؟
سوسيلُسْ: مشيئةُ عشتروت إذن هي وحدها قَدَرُ هنيبعل؟!! أهذا كلُّ ما يَرِدُ على خاطر سيّدتي؟!!
سايْلِنُسْ: وهل تحسبُ سيّدتي أنّ مصيرَ الأبطالِ والأممِ يُؤَرَّخُ له برؤى مجتزأة؟
هنيبعلْ: لا تقلْ مجتزأةً! فهارمونيا بشّرتْني، في أوّل لقاء لنا، بتحالفِ عشتروتْ وملقارتْ في أمرِ اختياري للقيام بهذه الرحلة القَدَرِيَّةِ. كما أنها تَوْأَمَتْها ورحلةَ هِرَقْليسْ اليونان. لا، يا صديقنا سايْلِنُسْ، لم تكنْ مجتزأةً رؤياها.
هارمونيا: وكيف تكونُ مجتزأةً رؤيايَ وقد تكفّلتْ معابدُ عشتروت بنشر صورة البطل الإله في أربع رياح الأرض؟
سوسيلُسْ: لا، يا سيّدتي! سايْلِنُسْ وأنا، بكلماتنا، بلغةِ المَشَاهِدِ الناطقةِ الحاكيةِ في كُتُبِنَا، نخاطب خيالَ اليونانيين والسَّلْتِيّين والإيطاليين الأخر والإسبان والأفارقة والبربر. نحن اللذان نحكي التاريخ. والذي تحكيه كُتُبُنا هو الحقيقةُ التي تُدارُ بها عجلةُ التاريخ.
سايْلِنُسْ: وأهمُّ ما في كتبنا حكايةُ الحلمِ الذي حَلِمَهُ هنيبعل عُقَيْبَ سقوط Saguntum... الحلمِ الرؤيا، الرؤيا القدر.
هنيبعلْ: وأنتَ المؤتمنُ عليه للتاريخ في كتبك.
هارمونيا: مهما تكنْ طبيعةُ حلمه، فحلمُ هارمونيا له سابقٌ على سقوط Saguntum.
سايْلِنُسْ: سقوطُ Saguntum كان مجرّدَ محطّةٍ في مسيرة هنيبعل. ولذلك كان لا بدّ من الحلم، فهو المساحةُ التي تتجوّل فيها روحُ البطل لتتلقّى الوحيَ بأمرِ المشيئة. هنيبعل إستدعاه إلى مجلس الآلهة كبيرُ الآلهة. أَمَرَهُ بالزحف نحو الأرض الإيطالية. جعل من هِرَقْليسْ اليونان دليلاً له ولجيشه. الدليلُ أراهُ روما وحشاً يجتاح الأرضَ. أكّدَ له أنه حان الوقتُ لقتلِ ذلك الوحشِ ولنشرِ المدنيّة بين الشعوب التي كانت تحت هيمنته.
هارمونيا: رسالةُ الحلمِ من ملامح حلمي القديم لهنيبعل. والآن الآن، ألا تَرَوْنَ معي أنّ الحلميْن يلتقيان في هدفٍ واحدٍ: إخضاعِ روما؟
هنيبعلْ: وإنْ يكنْ إخضاعُ روما لا يعني بالضرورة إحتلالها. سوسيلُسْ! سايْلِنُسْ! صارحاني بتقديركما لإستراتجيتي الجديدة تجاه روما.
سايْلِنُسْ: التفاوضُ ليس من أهداف الحرب... ليس من أهداف مسيرة هنيبعل العسكرية...
سوسيلسْ: وإذن فما هو السِّرُّ الكامنُ وراء التغيّر في الإستراتيجيات؟
سايْلِنُسْ: السِّرُّ... لعلّه ...
سوسيلسْ: ... في البدائل؟
هارمونيا: لا يشرحُ السِّرَّ لغزٌ! لأكاد أهجس، يا هنيبعل، أنّ بدائلكَ من طلاسم روحكَ.
(من بين الخيمات يدخل على عجل حيرام وينايسس وساﭬون. يتوجهون مباشرةً نحو هنيبعل وعلى وجوههم أمارات الجدّ والتصميم.)
هنيبعل: كبارَ ضبّاطي ! معتلّةٌ بالقلقِ وجوهُكم، فما الذي أسرعَ بكم إليَّ؟
يَنَايْسَسْ: قائدَنا المظفَّر، هنيبعل، كنّا نقول، وأنتَ تعلم، أنّ المعاركَ لا تُدارُ بالطلاسم...
حيرام: ... وأنّ النصرَ لا تحرزه المعمّياتُ !
هنيبعل: طلاسم ! معمّيات ! لا ريب أنّ هواجسَكم أربكتْ أفواهَكم !
يَنَايْسَسْ: ليست بالهواجسِ هواجسُنا...
حيرام: ... فهنيبعل المحاصِرُ الآنَ لروما...
ساﭬونْ: ... ليس بهنيبعل الذي عرفناه في معركة Cannae.
يَنَايْسَسْ: عبقريةُ المبادرة والمناورة والتسلّل والمفاجأة...
حيرام: ... كانت تكتيكاتِكَ التي أمّنتْ لجيشنا الانتصارَ الساحقَ في معركة Cannae.
ساﭬونْ: والرأيُ الذي تتلعثم به الآن قلوبُ ضبّاطكَ وشفاهُ جندكَ ...
يَنَايْسَسْ: ... هو أنكَ تخلّيتَ عن جيشكَ بتخلّيكَ عن عنصر المفاجأة والمبادرة.
هنيبعل: عصيٌّ على جبروت أعدائه هنيبعل، مُتَسامٍ فوق ظنون ضبّاطه !
يَنَايْسَسْ: لجوؤكَ إلى التفاوض مع روما يؤكّد أنَ السياسيَّ والمقاتِلَ فيكَ يتنازعان سيفَكَ: يشحذه أحدُهما ويثلّمه الآخرُ.
حيرام: أنتَ بطل المعارك الفائقة الكمال. إقتحمْ بنا بوابات روما حتى لا تغدو بطل القضايا الخاسرة.
يَنَايْسَسْ: إنتصارك العظيم في Cannae لن يظلَّ عظيماً حتى تقتحم هذه البوابات.
هنيبعل: ستنفتحُ لنا بواباتُ روما وسيحني سادتُها جباهَهم أمام جبروت حصارنا. سلاحُنا الزمنُ... ذلك الهَوْلُ الذي ستتيه في فراغاته أفكارُهم كما إراداتُهم.
يَنَايْسَسْ: طلاسمُ أفكاركَ ... معمّياتُ تصوراتكَ ... لم نعدْ نفهمها يا هنيبعل ! لم نعدْ ... لم نعدْ ...
هنيبعل: هدفُ الحرب ليس إلغاءَ روما. إقتحامنا لبواباتها سيوحّد ضدّنا كلَّ الشعوب الأخرى. النصر الحقيقي يكمن، ليس في إلغاء عدوّكَ، بل في إيصاله إلى اللحظة التي يدرك فيها أنكَ الندُّ الحقيقيُّ له، أنه لن يستطيع بعد الآن أن يستهين بكَ، أنَّ نصرَهُ القديم على آبائكَ أو أجدادكَ لم يكن إلاّ لحظةً عابرةً في التاريخ، سحابةَ صيفٍ عبرتْ، وعبرتْ إلى غير رجعة.
يَنَايْسَسْ: معمّياتٌ ! معمّياتٌ ! لم نعدْ نعرفكَ يا هنيبعل. أنتَ حقاً حقاً تعرف كيف تحرز النصرَ، ولكنكَ حتماً حتماً لا تحسن الاحتفاظَ به.
(من جهة اليسار يأتي صوت طبل تلتفت إلى مصدره كلُّ العيون. عدد من الجند يتقدمون ناحية هنيبعل يتوسطهم رجل أشيب الشعر جليل الهيئة.)
هارمونيا: إذن نجا من الأسر... أو حتى القتل... بَارْمُكَارْ.
هنيبعل: أسرفتِ في ظنونكِ، يا هارمونيا! الرومان أذكى من أن يأسروا رئيس وفدنا إليهم.
بَارْمُكَارْ: الأَسْرُ لم يكن ليخيفني... ولا حتى القتل. من الإحتماليْن نجوتُ، وليتني ما نجوتُ.
هارمونيا: بحقّ عشتروت لا تَرْمِنَا بألغازكَ.
بَارْمُكَارْ: بالخبر اليقين عدتُ إليكَ، يا هنيبعل.
هنيبعل: أيَّ يقينٍ تأتيني به عيناكَ المغرورقتان بالشك؟ أيَّ يقين؟
بَارْمُكَارْ: يقينَ الإعتذار...
يَنَايْسَسْ: عَرِّ مفرداتكَ من طلاسمها...
هارمونيا: جَرِّحْنا بالحقيقة أو اشْفِنا بها فنحن لها كفاءٌ كفاء.
بَارْمُكَارْ: مفاوضاتُنا إنتهت إلى الشيء الذي كنتُ لا أتمنّاه...
هنيبعل: ...إلى رفضهم الدخول في التفاوض معنا ؟ هو ذا ما يحرجكَ البوحُ به، أليس كذلك، يا بَارْمُكَارْ؟
بَارْمُكَارْ: لا يفوتنّ هنيبعل شيءٌ.
يَنَايْسَسْ: بل فاتَتْه الحقيقةُ حينما أضلَّ نفسه وقوّادَ جيشه بوهم التفاوض الذي سيحرز لنا النصرَ.
هارمونيا: شَكّي في الأمر كان يقيني. فما هي بدائل إستراتيجيّاتكَ الآن يا هنيبعل؟
هنيبعل: تَبَلْبُلُ إراداتكُم أدهى العقبات ! نسيتم، تُراكم، أنّ هنيبعل إن لم يجدْ للنصر طريقاً، إبتدع لنفسه طريقاً وطريقاً ؟
يَنَايْسَسْ: معمّياتُ كلماتكَ هي الطريق الوحيد الذي تسلكه الآن نحو نهايتكَ!
(يستلّ يَنَايْسَسْ خنجره ويوجهه نحو صدر هنيبعل. بسرعة البرق تضرب هارمونيا بقوّة على ساعد ينايسس فينحرف خنجرُه ويطعن في الهواء. ينقضُّ الجندُ على ينايْسس. يقيّدون يديه ويسوقونه مع حيرام وساﭬون إلى جهة مجهولة.
هارمونيا تجول بنظراتها في المكان. بإشارة من يدها ينسحب الجند من الساحة. وبإشارة أخرى تبتعد بناتُ أليسّا المسلّحات ويبقيْن على مرمى النظر.)
هارمونيا: مشيئةُ عشتروت أنقذتْكَ من خنجر الخيانة.
هنيبعل: وبيدِكِ أنقذتْني ... يَدِكِ التي تَرِقُّ داخل الخيمة وتقسو خارجها.
هارمونيا: ترقّ وتقسو بوحيٍ وإيحاءٍ.
هنيبعل: واللحظةُ الآنَ إيحاءٌ بأنّ احتمال الموت يضاعف من تمسّكنا بالحياة.
هارمونيا: هكذا تظلّ تقول كلما نجوتَ من نيّة خنجر.
هنيبعل: وهكذا تتألّق اللحظةُ المتاحةُ لنا من سيرورة الزمن.
هارمونيا: تلمّح وتلحّ في تلميحكَ القديم إلى اجتناء اللذة.
هنيبعل: أَوَ ليسَ جسدُكِ يطهّر الوجودَ من ضبابية العدم ؟ أَوَ ليسَ يمنح الزمنَ معنىً ليس في أصل الزمن؟
هارمونيا: ولكنّ جسدي يكاد يصرفكَ عن الإمتثال لميشئة التي ابتدعتْ قَدَرِيَّةَ رحلتِكَ.
هنيبعل: أبداً أبداً. لهفتي إلى جسدكِ لا تصرفني عن مشيئة عشتروت، فأنا لا أعشقُ الجمالَ إلاّ تودّداً لخالقه.
هارمونيا: السنواتُ هذّبتْ في خيالكَ الرؤى، فمجدُ السيفِ ينازعه فيكَ مجدُ الجمال.
هنيبعل: إنْ هي إلاّ ثنائيّةُ الوجود تتنازع إراداتنا فيميناً يميناً وشمالاً شمالاً.
هارمونيا: وفي حومة الثنائيات قد يتبلبل في خواطرنا الهدفُ الأسمى...
هنيبعل: ... والذي هو في رأيكِ ... أعرف ... أعرف.
هارمونيا: نيّةُ السيف في يدكَ من نيّة عشتروت في رحلتكَ، فلا تنحرْ هدفَ السماء بخنجر الأرض.
هنيبعل: إنْ هي إلاّ الثنائيّةُ التي لن يحرّرَ هنيبعل منها إلاّ نهايةُ هنيبعل. تعاليْ ! تعاليْ إلى خيمتي نَجْتَني في خلوتنا ...
هارمونيا: ... لا ! لا ! هنيبعل. أبداً أبداً ذلك لن يتكرّر. عنوةً أخذتَـني مرّةً ... عنوةً ...خارج المعبد، متنكّراً بذلك لمشيئة عشتروت.
هنيبعل: تحبّذ فينا عشتروت إرادةَ الحياة، فلغةُ التسويفِ لم تمنعْكِ من اجتناء اللذة ليلةَ، عنوةً، جمعتْنا تلك الخلوةُ.
هارمونيا: ذلك يعني أنكَ لم تفهم هارمونيا بعد. عنوةً أخذتَني مرّةً ... عنوةً ... ولكنكَ لم تأخذْ مني إلاّ جسداً معتصماً باللامبالاة فما ترتعش حواسُّهُ بشرارة من نار.
هنيبعل: بل ارتعشتْ منه أكثرُ من أصابع يدٍ ويدٍ !
هارمونيا: إن تكنْ كانت رعشةٌ ... تكنْ رعشةَ صقيعٍ مكتوم.
هنيبعل: بل رعشةَ الدفء المتسلّل من قلب صقيع التسويف.
هارمونيا: التسويفُ لغةٌ في تغليبِ يقينٍ على يقينٍ وزمنٍ على زمن.
هنيبعل: كفاكِ تقنّعاً بحجاب الكلمات.
هارمونيا: عارياتٌ كلماتي عاريات ... إلاّ من مشيئة عشتروت. وإن تكنْ تأبى عليكَ إلحاحاتُ جسدكَ إلاّ الإلحافَ في اجتناء جسدي، فَلَكَ الوعدُ مني ألاّ أنوّلكَ المُشْتَهى مني إلاّ في ظلال أعمدة المعبد الذي ستشيده لعشتروت داخل أسوار روما.
هنيبعل: الزمنُ الذي كانتْ فيه ضجيعَكِ الكلماتُ مضى.
هارمونيا: بل إنتكستْ سيرورتُهُ مرّةً، عنوةً، ولكنه أبداً ما مضى. إمضِ إلى خيمتكَ، هنيبعل. هارمونيا معتصمةٌ بمناجاة السماء. وأنتَ، أنتَ، يا هنيبعل، لم تكتشفْ مني بعد غيبَ النوايا.
هنيبعل: حذارِ، هارمونيا، من أن ترتكبي، من حيث لا تدرين، خطيئةَ الخيانة لمشيئة عشتروت... مشيئتها الأخرى. إلحقي بي حينما تفرغين من مناجاة السماء.
(يدلف هنيبعل إلى خيمته. تتأمل هارمونيا فتحة الخيمة لحظةً ثم تسرّح نظرها في الفضاء، ثم تطرق متأملةً خواطرها.)
هارمونيا: ... لا ليس جسدي ... ليس جسدي هاجسَه الأعتى ... بل لعله، جسدي، حجابُ هواجِسِه ... أفليسَ أوجعَ هواجِسِه الزمنُ؟ ... ذلك الطلسمُ الأعتى من طلاسم روحه... فَكَأنِ اقتحامُه لبوابات روما ... سيكون بمثابة المحطة الأخيرة من رحلتهِ... النهايةَ لكلّ شيء... حيث يتوقف الزمنُ ولا يعود له، هو هنيبعل، هدفٌ آخر، تحدٍّ أكبر، يملأ به غيابةَ الفراغ... غيابةَ الزمنِ الذي تتلاعج فيه طلاسمُ روحه؟ أليس ذلك ذلك؟ أريحيني عشتروت... أريحيني... من طلاسم هواجسي.
(تستغرق في تأمّل هواجسها. الصمت جلبابُ المكان.)
المشهد الثامن
المكان : Libyssa، إحدى بلدات مملكة بِثينْيَا (Bythynia) الواقعة شمال غربيّ آسيا الصغرى.
الزمان : حوالي العام 181 والعام 183 قبل الميلاد.
(على نغمات من موتيفْ “The Lonely Sheperd” يرتفع الستار عن بيئة ريفيّة لا عمران فيها. الأشجار تكتنف المكان وتكاد تخفي الخيمةَ الوحيدة التي في مرمى النظر، والمستظلّةَ بكثافةِ الأغصان. فَتْحةُ الخيمة تنفرج شيئاً فشيئاً لتنسرب منها إلى الفسحة الأمامية قامةُ رجل نكاد لا نميّزه أوّل الأمر. إنه هنيبعل. هنيبعل الآن يبدو وكأنّ ملامح وجهه وَدّعَتْ فتنةَ الشباب فهو في حالةِ اكتمالِ الرجولة. جسدُه إمتلأ قليلاً. مشيتُه متّزنة الخطوات وحركةُ يديه فيها شيءٌ من توالج الليل والنهار. ساهماً يسير قليلاً ثم يتوقف. عيناه الغارقتان في تلافيف روحه فجأةً تطرفُ جفونهُما وتنهض بهما مهابةُ وجهه نحو السماء. تتنقّل نظراتُه بين السّحب المبعثرة في فسحةِ الفضاءِ العالقةِ بين آخر شعاعاتِ النهار وأوّل غبشاتِ الليل. هنيهة ثم يهبط الليل. ولولا نارُ المشعلِ المركّز على قائمةٍ، قريباً من الخيمة، لإبتلع الظلام ُ هنيبعل فكأنه ما كان. عيناه لا تكفّان عن تجوالهما بين السّحب المبعثرة. تنفرج قليلاً شفتاه ويبدو وكأنما يحدّث نفسه.)
هنيبعل:ما أَشَفَّ نحولَه الليلةَ! وما أغْرَبَهُ يتلطّى من سحابةٍ بسحابة! وهذه الإنحناءةُ التي تحوّله إلى قوسٍ من نورٍ باهت!...لا! لا تخرجِ الآن من دائرةِ عينيَّ! ... ولكنّكَ ها أنتَ تغيبُ... تختفي من جديد... فكأنّكَ الذي كان وليس يكون.
(صوتُ رفرفةِ جناحيْنِ لطائرٍ كأنما ينتقل من شجرة إلى شجرة. يتلفّت هنيبعل حواليْه وفوق رأسه وكأنما تَيَقَّظَ فجأةً كلُّ كيانه. هنيهة ويلفّ المكانَ السكونُ. من جديد يتأمل هنيبعل السّحبَ المبعثرة.)
هنيبعل: مثلَ كلّ الأشياءِ التي في حياتنا القمرُ... ما إِنْ يبلغ تمامَه حتى تأخذَه عِلَّةُ الإنحسارِ فينقبضَ على نفسه ليلةً بعد ليلةٍ حتى إذا ما اسْتنفدتْ نفسَها شعاعاتُه... ولكنْ لا! لا! فلعلّ هارمونيا لا توافقني الرأيَ، فللقمر عندها حديثٌ آخر.
(من جديد رفرفةُ أجنحةٍ تعبث بأغصان الأشجار وتخدش تأملات هنيبعل. يتلفّت حواليه وفوق رأسه وقد اسْتَلَّتْ يمناه خنجراً من تلافيف ردائه.)
هنيبعل: مَنْ هناك؟
(ترفرف الأجنحةُ من جديد في الفضاء.)
هنيبعل: أقول مَنْ هناك؟؟
(أصوات ضعيفة تأتي من بين الأشجار.)
هنيبعل:إخلعْ عنكَ طلاسمَ الليلِ وأَظْهِرْ نفسَكَ! هيّا! كائناً مَنْ تكنْ!
صوت هارمونيا: لا يُرَوِّعَنَّكَ الليلُ وقد تَلَطّى بالسّحبِ عنكَ القمرُ!
هنيبعل: هارمونيا! وحدكِ...؟ أم ...؟
(تدخل هارمونيا، وقد ذهبتْ عنها هي الأخرى ميعةُ الشباب واكتملتْ أنوثتُها فلحضورها هيبةٌ ووقارٌ وشيءٌ من سحرٍ غامض. خلفها يدخل تِرونو ومَليتَّا، مسلّحيْن، وقد كَبُراهما أيضاً عقديْن من الزمان.)
هنيبعل: مَليتّا! تِرونو! لا تزالان هنا؟ لا تزالان؟!!
مَليتّا: صحبناكَ في أوّل الطريق...
تِرونو: ... ولآخره نظلّ معكَ...
هنيبعل: أمرتُكما أن تعودا إلى قرطاج الأمّ وتستقرّا هناك.
مَليتّا: أعذرْنا إن عَصَيْنا أوامرَكَ، فقرطاج الحرّية حيث يكون هنيبعل...
تِرونو: ... وأبداً! أبداً!
هارمونيا: ألم أقلْ لكَ من قبل أنهما شعاعان من أشعّة عشتروت؟
هنيبعل: ولكنّ قمرَ عشتروت ينحسر ضوءُهُ الليلةَ، وكما في كلّ ليلة. إذهبا! إذهبا! قبل أن يلفظَ آخرَ شعاعاتِه القمرُ!
هارمونيا: أبداً! أبداً! لا يلفظُ شعاعاتِه القمرُ، ولكنّ انحسارَه يكمن فيه الغيبُ الذي تضمره للأرضِ عشتروت.
هنيبعل: مهلكِ هارمونيا! لا تزالين تحلمين بمشيئة عشتروت وكأنّ تَبَدُّلَ الدنيا... وكأنّ الخساراتِ المتتاليةَ... وكأنّ الهجرةَ من أرض إلى أرض ومن مملكة إلى مملكة... وكأنّ كلّ الذي أصابنا ويهدّدنا لا يزال... تنكرينه... تجحدين حدوثَه فليس هو الوجهَ الآخرَ لتاريخ هنيبعل؟!!
هارمونيا: إرفعْ رأسَكَ مثلي إلى السماء. أنظرْ إليه يسبح على مهله بين السّحبِ المبعثرة! أنظرْ إليه مليّاً! يغيب وليس يغيب. ألم تفهمْ بعد حيلةَ عشتروت؟
(من وراء الخيمة تعلو صرخةُ وجعٍ أنثويّة تتلوها أنّاتٌ طويلةُ المدى. يتلفّت الأربعةُ إلى مصدر الصوت.)
هنيبعل: هل اخْتَرَقَ خلوةَ ملاذِنا غريبٌ عنّا؟ ولماذا تصرخ وتئنّ تلك المرأةُ؟
هارمونيا: لا يربكنَّكَ الإرتيابُ! إِنْ هي إلا صرخةُ امرأةٍ تتلوّى.
هنيبعل: مِنْ أذىً تتلوّى؟ أم مِنْ خوفٍ من أذىً توسوسه لها هواجسُ الليل؟
هارمونيا: في أوجاعِ المرأةِ إرادةُ الحياةِ، فلا تشغلّنَ بالَكَ بغير تثبيت علاقتكَ بملَكِ هذه الأرض.
هنيبعل: بْروسْيُسْ، نَمَتْ إليَّ الأخبارُ، قريباً سيستقبل رسولاً من روما.
هارمونيا: ملكُ بِثينْيَا رجل حكيم، يوازن بين مخاوف روما وطموحات خصومها. يولّفُ في ضيافته بين الضدّ والضدّ ليمنع استشراءَ النزاعاتِ، التي إذا ما اندلعتْ، ستهتزّ من أُسُسِها أركانُ مملكته.
هنيبعل: قد... ربما... وقد لا...
هارمونيا: كنتَ تريد أن تقول شيئاً ثم عَدَلْتَ!
(صرخةُ الوجع الأنثويّ تتكرر مرّة ومرّة ومرّة. من خلف الخيمة تدخل امرأة على عجل.)
المرأة: هارمونيا! سيّدتي! لَهيتَّا... لَهيتَّا اقتربتْ من الحالة التي تعرفين!
هنيبعل: لَهيتَّا!!! لَهيتَّا تقولين؟
هارمونيا: هو الوجعُ الذي تعرفه كلُّ النساء. عودي إليها وطمّني النسوةَ حولها أنني سأوافيكنّ بعد حين.
(تغيب المرأة في الليل.)
هنيبعل: كأنكِ تخفين عنّي سرّاً! صارحيني... أَهِيَ لَهيتَّا التي ...؟
هارمونيا: هي التي... هي التي... إشغلْ نفسَكَ بتحركات الملك وسأعالج أنا أوجاعَ المرأة. سأمضي الآن ثم إليكَ أعود. هيّا مَليتَّا! هيّا تِرونو!
(تمضي هارمونيا من حيث أتت. خلفها يمضي تِرونو ومَليتّا. عيونُهما تتلفّت مرّة بعد مرّة صوب هنيبعل. يتنفس هنيبعل الصعداء بعد غياب الثلاثة. ينقل قدميْه خطوتين ثم فجأة يتوقف، مكتشفاً أنّ يمناه لا تزال تحمل الخنجر. ترتسم على شفتيه ابتسامة حائرة. يخطو من جديد بتؤدة صوب المشعل الذي لا تزال ألسنةُ اللهب منه تتلوّى في الهواء. يتوقف وتمتدّ يدُه بالخنجر تمرّره على مهلٍ جيئةً وذهاباً فوق ألسنة النار.)
هنيبعل:أطهّركَ من ذكرياتِ الدّمِ ... يا حليفَ الليل! يا راصِدَ الغفلات!
(ترتعش الأغصان فوقه بإنتفاضات الأجنحة الخفيّة. تتجوّل عيناه اليقظتان حوله في المكان.)
هنيبعل: أم أنكَ لن تتطهّر أبداً؟ فشأنُكَ التحوّلُ الدائبُ من لون إلى لون؟ أَمِثْلَ القمرِ أنتَ لا تستقرّ أبداً على حال؟
(نحنحاتٌ لصوتٍ رخيم تقترب شيئاً فشيئاً من خلف الخيمة.)
هنيبعل: كأنها نَحْنَحَاتُ شَامينْ!... إخلعْ عنكَ طلاسمَ الليلِ وأظهرْ نفسكَ!
(يبرز شَامينْ، وقد انحنتْ كتفاه قليلاً بفعل مرور عقدين من الزمان.)
شَامينْ: حسناً أنّ شفرةَ خنجركَ لا تزال تلتمع بوهج النار!
هنيبعل: وحسناً أنكَ لا تزال تحمل إليَّ المستجدَّ من أخبار قرطاج!
شَامينْ: عجباً ثم عجباً للأيام تُوائِمُ بين الخنجر والخبر!
هنيبعل: لم يعدْ من معنى للعجب، يا شَامينْ. هيّا أوجزْ لي مخبوءَ النوايا.
شَامينْ: منذ ذلك الزمن... زمنَ فرضتَ قانونَ "التدقيق الجنائي" على ماليّة الدولة وكشفتَ النَّهْبَ الذي كان يمارسه أربابُ الحكم... منذ ذلك الزمن ولا يزال يتضاعف عداءُ مجلس الشيوخ لكَ...
هنيبعل: ذاك حديثٌ عن ماضٍ مضى...
شَامينْ: ذلك الماضي ما مضى... هو لا يزال حيّاً في هواجس أعضاء المجلس. شبحُ وجودكَ الحيّ لا تزال تَجْفلُ منه عيونُهم وتضطرب من تصوّر تنقّلاته من مملكة إلى مملكة خيالاتُهم...
هنيبعل: ... والمعنى...؟ المعنى... يا شَامينْ؟
شَامينْ: هَانّو لا يزال يؤلّب عليكَ الرومانَ ويغريهم بمطاردتكَ والإجهازِ عليكَ لأنكَ، ما دمتَ حيّاً، فخيالُكَ العسكريُّ خطر على روما.
هنيبعل: على روما فقط؟!! هانّو! هَانّو! لن تعرف النومَ عيناكَ حتى تُغْمَضَ عَيْنا هنيبعل. ليس من جديد في أخباركَ يا شَامينْ.
شَامينْ: البارْسِدِيّونَ أرسلوني أحذّركَ من اتصالات سريّة تجري بين روما وملك بِثينْيَا بإيحاءٍ من قرطاج.
(تضطرب الأغصان فوقهما بفعل انتفاضات الأجنحة اللامرئية.)
هنيبعل: سمعتَ الذي أسمع؟
شَامينْ: هي الطيورُ تتقلّب من غصن إلى غصن.
هنيبعل: بل إنها ليلةُ الأجنحةِ الخفيّةِ!
شَامينْ: هنيبعل يُلْغِزُ!
هنيبعل: كانت الإشاعةُ تسبق الفتنةَ، أمّا الليلةَ فكلاهما تسيران معاً معاً حَذْوَ النعلِ بالنعلِ!
شَامينْ: ولكنّ الإشاعةَ الأخرى...
هنيبعل: أيّ إشاعة تعني؟
شَامينْ: ... التي تلوكها ألسنةُ قرطاج...
هنيبعل: تلوك ماذا، شَامينْ؟
شَامينْ: أعني... لعلّكَ بَلَغَتْكَ أخبارُ سْكيبْيو.
هنيبعل: تتعثرّ في فمكَ الكلماتُ! أفصحْ، شَامينْ، أفصحْ! فالقائد الروماني إنتصر في معركة زاما وانتهى الأمر. أم أنّ في جعبتكَ مخبوءاً آخر؟
شَامينْ: ليتني لم أعشْ لتصحبني هذه الذكرى!
هنيبعل: ولكنكَ تعيش! كما لا أزال أنا أنا! وزاما غدتْ في ذمّة التاريخ منذ عقديْن من الزمان. فما الذي في بلبلةِ لسانكَ تخفيه؟
شَامينْ: هي الإشاعةُ التي تبلبلني... الإشاعةُ التي تقول أن انتصارات سْكيبْيو على خصوم روما في أكثر من ميدان عزّزتْ عدائيّةَ مجلس الشيوخ تجاهه.
هيبعل: تَنَازُعُ السلطات! فلماذ تحيّركَ بداهةُ الأشياء؟ مجدُ السياسة لمجالس روما ومجدُ الحرب لميادين القتال. ومحالٌ لمجديْن أن تنعم بتآلفهما أمّةٌ. مجدٌ يستثمر مجداً ثم يحوّله إلى كبش محرقة! أليست تلك هي المعادلة التي تتحكّم بتاريخ الأمم؟
شَامينْ: هنيبعل أَدْرى!
هنيبعل: بعشرِ سنواتٍ يصغرني سْكيبْيو. معركتُه الآن مع الوجه الآخر للزمن.
شَامينْ: هو بحاجةٍ إذن إلى خنجر تلتمع شفرتُه بوهج النار؟؟؟
هنيبعل: دائماً وأبداً! في الليل كما في النهار! إذ ليس من قَدَرِ المرءِ أن يعرف متى الإشاعةُ والفتنةُ تتوالفان.
شَامينْ: وإذن فما الرسالةُ التي يحمّلني إياها هنيبعل إلى البارْسِدِيّين في قرطاج؟
هنيبعل: قُلْ لهم: السِّرُ كلُّه في النهر الذي تحدّث عنه هِرَقْليطُسْ اليونان!
شَامينْ: سأمضي باللغز إليهم، وأُسْلِمُكَ الليلةَ إلى ما تبقّى من قمر الليلة!
(فوق رأسيْهما تضطرب أغصانُ الشجر بفعل انتفاضاتٍ لأجنحةِ الطير.)
هنيبعل: الأجنحةُ الخفيّةُ توميء إليكَ بالرحيل! إِمْضِ، شَامينْ، إِمْضِ! وإنْ لم يجمعْنا من جديدٍ نهرُ هِرَقْليطُسْ تكنْ هذه اللحظةُ من وجودنا هفوةَ لقاءٍ في هفوةِ وداع!
(تنفرج شفتا شَامينْ عن نيّةِ كلماتٍ لا يلبث أن يحتجزها في حنجرته صمتٌ رهيب. يميل يمنةً بجسده ثم يميل يساراً ثم تنسرب به خطواتُه في فجوات الليل البهيم.
هنيهة... ثم تذبل لهباتُ النار في المشعل.
يخطو هنيبعل في كل اتجاه خطوات حائرة وكأنما يبحث عن شيء ولا يجده.)
هنيبعل: أنا والليلُ... من جديدٍ أنا والليلُ وأنتَ! أين أنتَ؟ لماذا لم تَعُدْ؟ لماذا تتلكّأ؟ ألم تدركْ بعد أنكَ لا تزال بحاجة إليَّ؟
(رفرفة أجنحة في الأغصان تعقبها خشخشة أوراق على الأرض.)
هنيبعل: إخلعْ عنكَ طلاسمَ الليلِ، سْكيبْيو! إخلعْها ولا تخفْ! فلولا هنيبعل لم يكنْ لوجودكَ معنى!
(يدخل طيف سْكيبْيو حاملاً بيمناه مشعلاً يضيء حضورَه كما يضيء طريقَه.)
هنيبعل:تأخرّتَ كثيراً هذه المرّة!
طيف سْكيبْيو: ذلك لأنني كنتُ أتحرّى التاريخ!
هنيبعل: وما الذي وجدتَه؟
طيف سْكيبْيو: وجدتُ أنّ التاريخَ يُنْصِفُ...
هنيبعل: بل التاريخُ لا ينصفُ...
طيف سْكيبْيو: التاريخُ يُعِزُّ...
هنيبعل: والتاريخُ يُذِلُّ...
طيف سْكيبْيو: أنتَ قلتَها!...
هنيبعل: ولكنني عنيتُ أكثر مّما فهمتَ!
طيف سْكيبْيو: ولعلني فهمتُ أكثر مما عنيتَ!
هنيبعل: سيكشف لكَ الزمنُ طلاسمَ غيبه!
طيف سْكيبْيو: وهل كشف لكَ عمّا كنتَ تكره؟
هنيبعل: تماماً... كما سأكشف له عمّا لا يتوقع!
طيف سْكيبْيو: أَخَارِجَ الزمن أنتَ حتى تفاجئه بما لا يتوقع؟
هنيبعل: داخِلَه أنا وخارِجَهُ في آنٍ معاً!
طيف سْكيبْيو: بل أنتَ كنتَ داخلَ الزمنِ حينما كنتُ أنا خَارِجَهُ، ثم أصبحتَ خَارِجَهُ أنتَ حينما صرتُ أنا داخِلَهُ!
هنيبعل: أسأتَ فهمي للزمن.
طيف سْكيبْيو: بل فككتُ طلاسمَه!
هنيبعل: وحده هِرَقْليطُسْ سيفهم!
طيف سْكيبْيو: يفهم ماذا؟
هنيبعل: أنّ لنهرِ الزمنِ بُعْداً لم يدركْه حَدْسُهُ!
طيف سْكيبْيو: تغالي في خيالكَ الفلسفي... كما كنتَ تغالي في خيالكَ العسكري!
هنيبعل: إذا كانتِ المغالاةُ خطيئةً، فاجتهدْ ألاّ ترتكبها!
طيف سْكيبْيو: لم أرتكبْ خطيئةَ المغالاةِ حينما خطّطتُ لهزيمتكَ في زَامَا، وهزمتُكَ!
هنيبعل: أنتَ تغالي الآن في تمجيدكَ لنصرٍ لم تصنعْه أنتَ لأنكَ لم تكنْ بَطَلَه!
طيف سْكيبْيو: البطولةُ هَمُّكَ! والنصرُ لسواكَ. نَيِّفاً وعَشْرَ سنواتٍ تحاصر روما ولا تدكّ أسوارَها؟!!
هنيبعل: حصاراً مكيناً!
طيف سْكيبْيو: بل هديّةً لروما كان طولُ الحصار... فسحةَ زمنٍ جيّشتْ خلالها الجيوشَ ونقلتِ الحربَ إلى إسبانيا. ألا تعلم أننا إسْتعرنا استراتيجيات الحرب منكَ وبها هزمناكَ؟ أجل، هنيبعل، أجل، نقلْنا الحربَ إلى قرطاج الحديثة كما كنتَ نقلتَها أنتَ إلى روما. قرطاج الحديثة سقطتْ ونَجَتْ روما من رومانسية الحصار!
هنيبعل: تغالي في تصوراتكَ! قرطاج الحديثة سقطتْ... ولم تَنْجُ روما!
طيف سْكيبْيو: نجتْ في المدى البعيد... لِقِصَرِ نظركَ!
هنيبعل: بل للأسبابِ التي تتجاهلها أنتَ وتعرف حقيقتَها روما.
طيف سْكيبْيو: في كلّ مرّة نتحاور فيها يزداد عنادُكَ، يزدادُ نكرانُكَ!
هنيبعل: وتزداد مغالاتُكَ في تقييم الحرب، كما رومانسيّتُكَ في تمجيد نفسكَ!
طيف سْكيبْيو: رومانسيّتي؟!! أنتَ بحقٍّ فقدتَ القدرةَ على التمييز. هزمناكَ لأنكَ لم تكتشفِ الفرقَ بين الفروسيّة والبطولة!
هنيبعل: تعني أنا وأنت؟
طيف سْكيبْيو: أنتَ تحلم بوهج البطولة، ولذلك تغالي وتغامر، فتربح معركةً ثم معركةً ثم معركةً لتخسر في النهاية الحربَ كلَّها! سْكيبْيو فارسٌ، يَزِنُ، يقارنُ يخطّط، يعرف متى يهاجم ومتى ينسحب.
هنيبعل:تلفّ بأفكاركَ وتدور لتتجاهل الأسبابَ الحقيقيّةَ لنجاةِ روما... التي نجتْ ولم تَنْجُ!
طيف سْكيبْيو: أنتَ تكره أن ترى الحقيقة. أنا الفارسُ الذي هزم جيشَكَ وقوّادَكَ في إسبانيا إبّان حصاركَ لروما. أنا الفارسُ الذي أغرى روما بمنحي فرصةَ نقلِ الحربِ إلى الشمال الإفريقي. أنا الفارسُ الذي خطّط لحصار قرطاج الأم ولإرغامكَ على فكّ الحصار عن روما. أنتَ المغامرُ والمقامِرُ وأنا الذي استعرتُ استراتيجياتكَ العسكرية وبها هزمتُكَ!
هنيبعل: هنيبعل هَزَمَتْهُ الأسبابُ التي تغالي في تجاهلها!
طيف سْكيبْيو: بل هزمتُكَ آخر الأمر حينما أرسلتَ إليَّ رسولَكَ تستجدي لقائي لتتجنّب الهزيمةَ التي كانت تنتظركَ في زَامَا، فرددتُ الرسولَ خائباً مرذولاً!
هنيبعل: ألم أقلْ لكَ من قبل أنّ التاريخ لا يُنْصِفُ؟ تعرفُ لماذا؟ لأنّ ثرثرةَ أمثالكَ تتطفّل على كتب التاريخ فتطفو على صفحاتها الإشاعةُ وتنطمر الحقيقةُ!
طيف سْكيبْيو: الحقيقةُ!!! أيّةَ حقيقة تعني، وأنتَ الآن الهاربُ المشرّدُ الذي يتلطّى من أرض بأرض ومن مملكة بمملكة... تماماً كما القمرُ الذي فوقنا يتلطّى من سحابةٍ بسحابة؟
هنيبعل: مهلكَ، سْكيبْيو، مهلكَ! لا تكمنُ الحقيقةُ في كلماتكَ بل في الذي جرى حينما استدعاني مجلسُ شيوخ قرطاج لحماية قرطاج وإيقافِ زحفكَ العسكري تجاهها.
طيف سْكيبْيو: الحقيقةُ أنّ وفد قرطاج إلى روما تنصّل من كلّ المسؤوليات حينما اتهمكَ بمخالفة المعاهدات المبرمةِ بين روما وقرطاج وبتحدّيكَ لإرادة مجلس الشيوخ الراغب أبداً في السلام. أعرف عنكَ وعنهم أكثر مما تتصوّر!
هنيبعل: ولكنّ الذي لا تعرفه هو أنّ اللحظةَ الأَجَلَّ في سجلّ هنيبعل هي لحظةُ كَشْفِهِ عن خبايا التاريخ! أمام خصومه وفي قلب قرطاج!
طيف سْكيبْيو: تتوهّم الآن أنكَ كنتَ أكثرَ من قائد عسكري؟! مهلكَ، هنيبعل، مهلكَ! لا يكشفُ عن خبايا التاريخ مَنْ كان ضحيَّتَه!
هنيبعل: ضحيَّتَه تقول؟!! حذارِ حذارِ، سْكيبْيو، أن تشحذَ كلماتُكَ الخنجرَ المخبوءَ لكَ في غياهبِ زمنكَ!
(رفرفةُ أجنحةٍ في الأغصان تختلط بزعيق طائرٍ وطائر. يرتبك الطيفُ ثم يأخذ في الإنسحاب شيئاً فشيئاً إلى ما خلف الخيمة. يهمّ هنيبعل باللحاق به، ولكنّ شيئاً في داخله يجمّد قدميه في الأرض بعد أن يكون قد خطا خطوتين اثنتين.)
هنيبعل: توقّفْ، سْكيبْيو! توقّفْ! لمْ أَنْتَهِ منكَ بعد! لم أكشفْ لكَ الذي كنتُ كشفتُه لهم في قرطاج!... توقّفْ قلتُ... ولكنّكَ تنسرب بعيداً... تضمحلّ... تتستّر بالظلام... تختبئ لأنّكَ بعشرِ سنواتٍ تصغرني... ولأنّ الحقيقةَ أكبرُ منكَ... أكبرُ منكَ بعصور!
(رفرفةُ أجنحةٍ تخدش الظلمةَ من جديد تعقبها خشخشةُ أوراق على الأرض. يتلفّت هنيبعل في أرجاء المكان وكأنما استفاق من حلم غريب. تدخل هارمونيا.)
هارمونيا: كأني سمعتُكَ تقول شيئاً.
هنيبعل: وكيف لكِ أن تسمعي الذي لم أَقُلْهُ؟!
هارمونيا: ولكنّكَ كنتَ تقول شيئاً! ولا أرى من أحدٍ سواك.
هنيبعل: تلمّحين إلى أنني...؟!
هارمونيا: تحدّثُ نفسَكَ؟ ليس ذلك بجديد.
هنيبعل: ربّما انشغل صوتي عنّي بِمَلْئِهِ هذه الفسحةَ من الليل...!
هارمونيا: بل لعلّكَ أنتَ والليلُ... وذاكَ الآخرُ المضْمَرُ في الليل...
هيبعل: أيَّ آخرٍ مُضْمَرٍ توسوس به مغاليقُ كلماتِكِ! أيَّ آخرٍ تعنين؟.
هارمونيا: الآخرَ المُنْسَلَّ إليكَ من النهر الذي أصداءُ أمواجِهِ حاضرُكَ ومستقبلُك!
هنيبعل: لم أعدْ أفهمكِ هارمونيا! عَرّي كلماتِكِ؟
هارمونيا: لمَ نَعُدْ بحاجةٍ إلى الكلمات... ظلالُها عُرْيُنا... وكفى!
هنيبعل: عُرْيُنا! ظلالُها! إصرفي عنّي حديثَ الكاهنات!
(صرخةُ وجع أنثوي طويلة المدى تعقبها رفرفةُ أجنحة في الأغصان.)
هنيبعل:لَهيتّا؟! لَهيتّاً من جديد؟ ألم تعالجيها؟ وما الذي يؤلمها إلى حدّ الصراخ؟
هارمونيا: ليس بها من سوءٍ لَهيتّا، ففي أوجاعِ المرأةِ إرادةُ الحياة. لا تشغلْ نفسَكَ بأنثويّاتنا. إصرفْ همّكَ إلى توطيد علاقتكَ بالملكِ حتى لا يغيّرَ النهرُ مجراه!
(صرخةُ الوجعِ الأنثوي تبغت الليلَ من جديد. زعقاتٌ في الأغصان لطائرٍ وطائرٍ وطائر.
ضوءُ مشعل يقترب من الجهة اليمنى. يدخل جنديّ حاملاً مشعلاً وخلفه جنديان مسلّحان بينهما رجل متقدّم في العمر.)
حامل المشعل: رسولُ الملكِ بْروسْيُسْ إلى قائدنا هنيبعل.
هنيبعل: رسولُه ومستشارُه الأوّلُ! تذكّرتُكَ أيها السيد الجليل، فأهلاً بكَ ثم أهلاً.
رسول الملك: عصرَ غدٍ يقيم الملكُ في قصره وليمةً ويدعوكَ، سيّدي، إلى الإنضمام إليه، كما هي عادتُه في كلّ ولائمه.
هنيبعل: دعوةٌ كريمةٌ من ملك كريم. ولكنْ خبّرْني، أيها السيد الجليل، هل مَدْعُوٌّ إلى الوليمة غيرُ النبلاء؟
رسول الملك: وحده الملكُ أَدْرَى.
هارمونيا: من باب التخمين، يا سيدي، هل قد يكون في المدعوّين غرباءُ عن أهل المملكة؟
رسول الملك: لم يَنْمُ إليَّ شيءٌ من هذا القبيل يا سيدتي.
هنيبعل: الوليمةُ عند العصر قلتَ؟
رسول الملك: أجل يا سيدي.
هارمونيا: وهنيبعل سيشرّفه بالطبع تلبيةُ الدعوةِ الصادرةِ عن إرادةِ ملكِ بِثيْنيا.
رسول الملك: لم يكنْ لديّ، سيدتي، أدنى شك بذلك، فالقائد هنيبعل ضيفُ المملكةِ الأثيرِ. ولطالما أَثْرَتْ آراؤه حواراتِ أركانِ المملكةِ في شؤون التخطيط، وصقلتْ خبرتُه استراتيجياتنا العسكرية والعمرانية.
هنيبعل: بَلِّغِ المشيئةَ الملكيةَ أنّ العصرَ من غدٍ موعدُنا في قصره المهيب.
رسول الملك: أستئذن سيدي بالذهاب، متمنياً له ليلةً هانئة.
هنيبعل: رافقتْكَ السلامةُ أيها السيد الجليل.
(الجندي حامل المشعل يتقدّم رسولَ الملك في انسحابه إلى الجهة التي منها دخل، يتبعهما الجنديان المسلّحان. لحظات ويغيّبهم الظلام.)
هارمونيا: تناديه بالسيّد الجليل! وتقول له بأنكَ تذكّرتَه؟
هنيبعل: هو المستشار الأوّل للملك. أعرفه ويعرفني.
هارمونيا: ولكنكَ غَيَّبْتَ عن لسانكَ إسمَه!
هنيبعل: خذلتْني ذاكرتي... لم أقصدِ الإستهانةَ بمقامه.
هارمونيا: ذاكرتُكَ تشوّشتْ أكثرَ مما ينبغي!
هنيبعل: وتشوّشتْ أكثرَ مما ينبغي كلماتُكِ!
هارمونيا: ذاكرتُكَ وخيالُكَ ولسانُكَ... كلُّ ما فيكَ الليلةَ بحاجة إلى الراحة؟
هنيبعل: وأنتِ اذهبي إلى حيث تجدين راحتكِ!
هارمونيا: لن أتركَكَ الليلةَ... فأنتَ والليلُ وذاك الآخرُ المُضْمَرُ في الليلِ...
هنيبعل: هواجسَكِ المسكونةَ بالمُضْمراتِ اصْرفيها عني!
هارمونيا: تعال معي... تعال إلى داخل خيمتكَ، فلقد نَمَتْ إليّ إشاعةٌ أخشى أن يذيعها عن لسانيَ الليلُ وأنا أسرّها في أذنكَ!
(ينسربان إلى داخل الخيمة. رفرفةُ أجنحةٍ في الأغصان مجبولة بصرخة وجع أنثوي. يذبل حتى الفناء لَهَبُ المشعل المركّز على قائمةٍ بجانب الخيمة. الليل يهيمن على المكان. شيئاً فشيئاً تنسرب من البعيد نغماتٌ من موتيف “The Lonely Shepherd” تزيد من وحشة المكان.
الوقت يمرّ...
صياحٌ لديكٍ يجاوبه صياحٌ لديكٍ آخر.
الفجر ينبلج قليلاً.
ثم يأخذ وهجُ الشمس بإنارة المكان شيئاً فشيئاً.
ثم لا يلبث أن ينحدر قرصُ الشمس من وسط السماء غرباً غرباً حتى لحظة الغروب.
النغماتُ التي تزيد المكانَ وحشةً تصاحب التحوّلات كلَّها.
ولحظةَ يتراقصُ في الأنسامِ لَهَبُ المشعلِ من جديد، وقد أشعلتْ فيه النارَ يَدٌ خفيّةٌ، إيذاناً بهبوط الليل الجديد، تضطرب الأغصانُ في الأشجار منفعلةً باضطرابِ أجنحةِ الطيرِ، ويختلج الجوُّ بصرخةٍ أنثوية تتلوها صرخةٌ فصرخةٌ فصرخة.
من جهة اليمين، يدخل جنديّ يحمل مشعلاً، مضيئاً بنوره الطريقَ لهنيبعل الذي يسير خلفه جنديّان مسلّحان من حرسه. يتوقف هنيبعل أمام خيمته. يشير بيده إلى الثلاثة بالإنسحاب فيعودون أدراجهم من حيث أتوا. يقلّب هنيبعل عينيه في المكان ثم يستغرق في أفكاره.
تنفرج فتحةُ الخيمة وتخرج منها هارمونيا في حالة ارتباك وقلق.)
هارمونيا: هنيبعل!! أنتَ هنا؟!
هنيبعل: وهل تَرَيْنَ سواي؟
هارمونيا: كنتُ أنتظركَ. ولكنّنا في أوّل المساء! لم أتوقّعْ عودتَكَ قبل منتصف الليل. هل أُلْغِيَتِ الوليمةُ؟ هل حدث شيء؟ تكلّمْ هنيبعل! أراكَ مشرّدَ البالِ غائرةً في تلافيفِ روحكَ نظراتُ عينيكَ! حدّثْني عن الوليمة... إن كنتَ حقاً هناك!
هنيبعل: كنتُ هناك، هارمونيا. كنتُ هناك... ولكنّ الوليمةَ...
هارمونيا: ماذا عن الوليمة؟ ماذا عن الوليمة؟
هنيبعل: كانت... ولم تكنْ... هناك!
هارمونيا: مراوغةُ الكلماتِ! لا تعذّبْني بها!
هنيبعل: وليمةً هي كانت... صِحَافُ ملذّاتها النوايا... ونبيذُها الطَعْمُ الآخرُ لكلّ شيء!
هارمونيا: على خيرٍ... لن تمرَّ ليلتُنا... طالما تراوغني بالكلمات!
هنيبعل: الإشاعةُ التي لم تخبريني بها في الخيمة ليلةَ أمس... لعلّها أكثرُ من إشاعة!
هارمونيا: لم أخبرْكَ بشيء! فكيف تخمّن أنّ الشيئ الذي لم أخبرْكَ به كان أكثر من إشاعة؟!
هنيبعل: لأنّ الذي حدث في الوليمة... التي كانت ولم تكنْ...
هارمونيا: ما الذي حدث؟ ما الذي حدث؟
هنيبعل: حَسَوْتُ قليلاً من النبيذ... وانسحبتُ...!
هارمونيا: تعمّدتَ إهانةَ الملك؟! ويحكَ هنيبعل! لماذا؟ لماذا انسحبتَ؟
(صرخةُ الوجعِ الأنثوي تتردد أصداؤها المتلاحقة في الفضاء، تتخلّلها أنّاتٌ طويلات المدى. صوت إمرأة يأتي من جوف الليل منادياً: هارمونيا! هارمونيا! هارمونيا!)
هنيبعل: إلى متى؟! إلى متى تتركينها تتلوّى في العذاب؟
هارمونيا: إلى أن تنتصرَ بالعذابِ إرادةُ الحياة! أُدْخُلْ خيمتَكَ. أَرِحْ جسدَكَ وخيالَكَ. سأمضي إليها الآن ثم أعود إليكَ.
(تغيب هارمونيا في ثنيّات الليل. يقف هنيبعل وحيداً ساهم البال.)
هنيبعل: أَرِحْ جسدَكَ! أَرِحْ خيالَكَ! هارمونيا لم تَعُدْ تعرف ما تقول... وكأنما انسحبتْ قدماها من تدفّق ذلك النهر!
(رفرفةُ أجنحةٍ لطائر وطائر تعبث بسكون الليل. خشخشةُ ورقٍ على الأرض تقترب شيئاً فشيئاً. يلتفت هنيبعل ناحية الصوت.)
هنيبعل: أنا... والليلُ... وأنتَ... وحدنا الآن، يا سْكيبْيو! إقتربْ! إقتربْ مني أكثر!
(يدخل طيف سْكيبْيو حاملاً بيمناه مشعلاً يضيء حضورَه كما يضيء له الطريقَ.)
هنيبعل: لو كنتَ معي في الوليمة لكنتَ رأيتَ...
طيف سْكيبْيو: رأيتُ ماذا؟ وليمةُ مَنْ؟
هنيبعل: نسيتَه؟ بْروسْيُسْ... ملك بِثينْيا؟!
طيف سْكيبْيو: لعلّني كنتُ معكَ... ولعلّني لم أكنْ...
هنيبعل: لعلّكَ ولعلّكَ... ولكنه هو كان.
طيف سْكيبْيو: بْروسْيُسْ؟
هنيبعل: بل الجنرال الروماني... فْلامينْيُسْ... ضيفه الآخر...
طيف سْكيبْيو: روما وقرطاج على مائدة واحدة! بْروسْيُسْ حريص على مصالحة الأضداد. دائماً كانت تلك حيلتُه.
هنيبعل: حيلةُ الذين لا يعرفون فقهَ التاريخ!
طيف سْكيبْيو: فقه التاريخ لا يعرفه أحد. بالمناسبة، أين هما مستشاراكَ ومؤرِّخا مسيرتكَ؟
هنيبعل: في النهر الذي... لعلّهما...!
طيف سْكيبْيو: وهل تمشّيتَ على ضفّة ذلك النهر أنتَ والجنرال؟
هنيبعل: الرومانيّ؟ فْلامينْيُسْ؟ أبداً أبداً. كان مستاءَ الحركاتِ منكمشَ النظراتِ... وأكثرَ من مرةٍ لمحتُه يُسِرُّ في أذنِ الملكِ شيئاً وشيئاً فيتقبّض وجهُ الملكِ ويتنفّس الصعداء. كلاهما تجنّبا النظرَ إليَّ. تركاني على الضفة الأخرى من النهر!
طيف سْكيبْيو: فتملّككَ الظنُّ بالسوءِ...؟
هنيبعل: سوءِ النوايا...
طيف سْكيبْيو: ولذلك انسحبتَ؟
هنيبعل: ألم تكنْ لتفعلَ الشيءَ عينه؟
طيف سْكيبْيو: لَكُنْتُ لعلّني... ولعلّني ما كنتُ...
هنيبعل: أنتَ دائماً تتجنّب الحقيقةَ.
طيف سْكيبْيو: وأنتَ دائماً تزعم أنكَ تعرفها. هزمتُكَ في زاما وتظلّ كلّما التقينا تبالغ في الإنكار!
هنيبعل: هنيبعل هزمتْه الأسبابُ التي تبالغ أنتَ في تجاهلها وتعرفها روما.
طيف سْكيبْيو: وهل تعرف روما أكثرَ ممّا يعرف بطلُها؟
هنيبعل: إذن لماذا تتجاهل اللحظةَ الأَجَلَّ في سجلّ هنيبعل؟
طيف سْكيبْيو: اللحظةَ التي تزعم أنكَ كشفتَ فيها خبايا التاريخ؟
هنيبعل: وكان ذلك يومَ اسْتُدْعيتُ إلى الشمال الإفريقي...
طيف سْكيبْيو: يوم كان لزاماً عليكَ أن تفكّ حصارَكَ عن روما... أذكر ذلك كله لأنني كنتُ منْ خطّط له!
هنيبعل: ليس المهم من خطّط لذاك. الأهمُّ هو ما قاله هنيبعل في مجلس قرطاج.
طيف سْكيبْيو: قلتَه... ولم ينفعْكَ!
هنيبعل: قلتُه... ولعلّه أن ينفعَكَ أنتَ لو أنتَ سمعتَه! يومها بِهِمْ صرختُ : لا! ثم لا! يا شيوخ قرطاج، ليس الرومانُ الذين هزمهم هنيبعل هم الذين قهروه! بل أنتم، أنتم، يا شيوخَ مجلسِ قرطاج، مَنْ حَسَدَ مجدَه وتآمر عليه حتى مع أعدائه. ولا! ثم لا! ليس سْكيبْيو الذي أرغمه على فكّ الحصار عن روما، بل هو القرطاجيّ هانّو وحلفاؤه الذين حوّلوا مجدَ هنيبعل إلى الهزيمة والعار! ولا! ثم لا! ليس الرومان، بل وحدكم أنتم، شيوخَ قرطاج، الوجهُ الآخرُ للخيانة! ووحده، وحده سْكيبْيو المتبجّحُ بإحرازِ نصرٍ لم يكنْ بطلَه!
طيف سْكيبْيو: أهذا ما تحسبه خبايا التاريخ ؟! تبّاً لكَ، هنيبعل، ثم تبّاً!
هنيبعل: حذارِ حذارِ، سْكيبْيو، أن تغمض عينيْكَ وأذنيْك عن الحقيقة التي هي أكبرُ منكَ بعصور... الحقيقةِ التي، وفي غفلةٍ منكَ، قد تتكرّر... ولسوف تتكرّر!
طيف سْكيبْيو: لم يَعُدْ للحديثِ معكَ من جدوى. أخطأتُ هذه المرّة بالعودة إليكَ!
(رفرفةُ أجنحةٍ في الأغصان تختلط بها زعقاتُ طائرٍ وطائرٍ وطائرٍ، ليختلط كلّ ذلك بصرخاتِ الوجعِ الأنثويةِ المنسربةِ من جوف الليل. يرتبك الطيفُ ويأخذ بالإنسحاب حثيثَ الخطى حتى يغيب تماماً عن مرمى العين.
من الجهة اليمنى، ومن الجهة اليسرى، ومن خلف الخيمة-- وفي آن معاً – يدخل على عجلٍ ثلاثةٌ من حَرَسِ هنيبعل.)
الحارس الأول: قائدَنا...! جندُ بْروسْيُسْ...!
الحارس الثاني: أَغْلَقوا مداخلَ الممرات الثلاثة!
الحارس الثالث: وفي وقت واحد!
هنيبعل: إذن غَيَّرَ النهرُ مجراه!
الحارس الأول: النهر! ما الذي يعنيه قائدُنا؟
هنيبعل: نبوءةُ هارمونيا!
الحارس الثاني: نبوءة!!!
هنيبعل: عودوا إلى مراكزكم. حاولوا تأخير تقدّمهم. ولكنْ لا تقاتلوهم... لا تجازفوا بأرواحكم... إن هم أصرّوا على التقدّم إلى هذه الناحية.
الحراس الثلاثة: مستحيل! أنتَ تطلب منّا المستحيل!
هنيبعل: أوامرُ هنيبعل لا تُنَاقَشُ ولا تُعْصى! إِمضوا الآن. عودوا إلى مراكزكم. سأكون بمأمنٍ ممّا تخشونه عليّ. ولاؤكم تهتزّ له روحي، وستصحبني إلى الأبد ذكراه!
الحارس الأول: ولكنْ...
هنيبعل: إمضوا الآن! الآنَ أقول! الآن!
(ينسحب كلّ واحد من الحرّاس عبر الممرّ الذي منه أتى. يقلّب هنيبعل عينيه في المكان ثم يتوقّف متحسّساً شيئاً داخل ردائه.)
هنيبعل: ألم أقلْ لكَ، يا سْكيبْيو، أنني، في آنٍ معاً، داخلَ الزمنِ وخارجَه؟... ولكنكَ لستَ هنا لتسمع وترى.
(يخطو خطوتين ويتوقّف لدى سماعه رفرفةَ أجنحةٍ في الأغصان.)
هنيبعل: لقد حان وقتُ المفاجأةِ لكَ، يا هِرَقْليطُسْ! نهرُكَ الذي ظننتَه لا يتوقّف... سأوقف سيرورتَه لحظةً، لحظتين، ثلاثَ لحظات... لينطلق بعدها في سيرورته الأخرى...
(يتحسّس الشيء الذي داخل ردائه ويُخْرِجُ زجاجةً صغيرة، يفتحها، يشمّ ما فيها، ويبتسم.)
هنيبعل: أيّها الزمنُ... الآنَ... أُفْرِغُ نفسي منكَ... لِأَمْلَأَكَ بي!
(يرفع الزجاجة إلى شفتيه، يتجرّع ما فيها ويرمي بها إلى الأرض. زعقاتُ الطيور تشتد، مصاحبةً لإرتعاشات الأجنحة في الأغصان. وإذ تنسرب إلى المكان صرخةُ الوجعِ الأنثوية، ترتعش يدا هنيبعل، يتمايل جسدُه مترنّحاً يميناً ويساراً ثم يهوي على الأرض بغير حراك.
من خلف الخيمة، تدخل هارمونيا على عجل. تتأمّل المشهد وتشخص بعينيها إلى السماء.)
هارمونيا: لأنكَ هنيبعل، يا هنيبعل، فعلتَ الآن ما كنتَ تسوّفه زمناً! وأنتَ، وإنْ تكنْ رحلتَ، فَعَنَّا لا ترحلُ أنتَ أبداً... ألم أقلْ لكَ يوماً أنّ أفولَ القمرِ إيذانٌ بولادته؟!
(تدخل امرأة شابة تحمل طفلاً مقمّطاً بقماش أبيض.)
هارمونيا: لَهيتَّا! لَهيتَّا! بكِ وبطفلِكِ منه تحقّقتْ نبوءةُ عشتروت! أبداً أبداً لا يغيبُ ولا يُغَيَّبُ القمرُ، فأفولُهُ، أبداً أبداً، إيذانٌ بولادته!
(تأخذ الطفل من يديْ لَهيتَّا وتركع المرأتان على الأرض جانب جثّة هنيبعل. ترفع هارمونيا يديها بالطفل فوق رأسيْهما وكأنما هما في لحظة نجوى مع السماء.)
تمّت
August 21, 2023
كتب للمؤلف:
بالعربية:
رباعية روائية: -A
1. وعد شباط
2. على قارعة الغيب
3. صلصلة الرعد
4. الرحلة نحو الفجر
- مسرح:B
5. ثورة من تحت
6. كرة الثلج والنار
7. رجل لكل الفصول
8. حرائق صيدون
9. أليسّا ملكة قرطاج
- شعر: C
10. الله يطارد غودو
11. رعشة الكلمات
بالإنكليزية:
1- The City That Lost Its Temper (poetry)
2- A Transient Bargain (drama)
3- A Nightmare (drama)
4- Event Against Eventuality (poetic drama)
5- The Night of New Jersy (drama)
6- Strategies of Writing (creative writing)
7- A Trembling of Syllables (poetry)