
في منتصف الطريق
"تجَذُّرُ الزمن في المكان وتقنيات السرد الشعري":
دراسة نقدية لرواية "في منتصف الطريق"
I
يندرج المسار العام لهذه الرواية في إطار ما يصفه النقد الأدبي برحلة البحث عن الذات لاكتشاف ماهيتها وتحديد علاقتها بالأنا وبالآخر وبالوجود عامةً. وفي هكذا رحلة، عادةً ما تتجاذب وعيَ البطل / الراوي أبعادُ الزمن الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، في لعبة التباين والتلاحم والتصادم ليتم الكشف والتعرف والتقييم ومن ثم الإستشراف. إسترجاع الماضي في ذاته ولذاته ليس الأمرَ الأهمَّ في العمل الأدبي، ولكنه، أي الماضي، يشكّل مجالاً حيوياً رحباً يصول فيه خيالُ البطل ويجول في محاولة لصياغة المتناثر من حميميات وعموميات تجربته الإنسانية في نسقٍ يبدو للعقل، عقل البطل، مترابطاً ترابطَ البداية والنهاية أو السبب والنتيجة المنبثقة عنه. في هذه الرواية، إعادة صياغة الماضي، في وعي البطلة الراوي، تشكّل بدورها أرضية وسطية بين اللحظة الحاضرة والمستقبل الذي لم تتضح معالمه بعد. بكلمات أخرى، الماضي هو الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها لأنها الأساس في التجربة الانسانية كما هي الأساس في بنيان الشخصية الانسانية. وإذا كان من غير الممكن تغيير ذلك الماضي، فبالإمكان فهمه وتطويره، عند البعض طبعاً، عند أولئك الدائبين في طرح الأسئلة، الخائضين أبداً في رحلة البحث متمنين أبداً في أعماقهم أن تنتهي بهم الرحلة إلى ولادة جديدة يتخطّون فيها الماضي والحاضر معاً. ومن هنا فلا بد من التأكيد على أن ظاهرة التجاذب والتنافر الخفيين بين أبعاد الزمن الثلاثة، بكل دلالاتها العاطفية والاجتماعية والوجودية، هي خيارٌ فنّي واعٍ يعتمده الأديب كاستراتيجية محورية في تطوير بنيوية عمله الروائي. هذه الاستراتيجية الفنية هي بالذات واحدةٌ من أبرز الصفات التي تتسم بها رواية "في منتصف الطريق".
من الخصائص الجمالية لهذه الرواية أنّ الزمن يتحرّر فيها من انسيابه في المجرد والمطلق ليتجذّر في المكان تجذّرَ وعي الراوي، أناهيل، في مادية البقع التي تتحرك فيها في الضيعة جسداً وحواسَّ – الحديقة الخلفية للمنزل، المطبخ، غرفة الضيوف، غرفة النوم، منزل والدتها في الضيعة، النهر، الصخرة، المزرعة، شوارع المدينة وأبنيتها ومقاهيها، أضف إلى ذلك قائمة من المرئيات كالنبت والزهر وأنواع الطيور، في أقفاصها كانت أم على ضفة النهر. هذه المفردات ليست إضافات نتعثر بها في سياق السرد، ولكنها الأشياء التي تعطي الزمن بعده الإنساني، الأشياء التي تظل تَغْنى بالدلالات كلما خفق بها وعيُ أناهيل كذكرى، أو كلما عادت إليها أناهيل في تجوالاتها بين الساحل والجبل، تظل تَغْنى وتغنى بالدلالات حتى لتستحيل رموزاً هي الجسد الحيّ لشعرية السرد التي تمتاز بها هذه الرواية.
الفصل الأول (8-16) هو الأنموذج الذي عليه تنبني عملية السرد. أناهيل تقف بالشباك المطلّ على الحديقة الخلفية للمنزل، والغارقة في سكون عميق كأنها "لوحة سقطت من صدر الجدار". الوقت هو لون الغسق، الريح تباعدت أنفاسها، فلا النباتات المعربشات تتحرك ولا الشجيرات تهتز أغصانها، ونافورة الماء خبا لونها، والكنار في قفصه عبثاً يحاول تحرير نفسه. اللحظة الحاضرة إذن متجذرة في المكان وأشيائه. ثم يتحرك بنا وعيُ الراوي إلى غرف البيت التي قضت فيها أناهيل ثلاثين عاماً هي عمر زواجها من "ثابت". من مشهد الكنار أسيراً يتململ في القفص إلى مشهد أناهيل أسيرة البيت، يقفز بنا الراوي من الماديّ إلى السيكولوجيّ دون أن يفصل بينهما، لأن الأسرَ والتوقَ إلى الحرية في المشهدين هما اللحمة التي بها يتوحد الظاهر والباطن، الرمز والدلالة. مشهدية السرد هذه سرعان ما تحدد المسار العام للرواية، فإذا بنا نخطو مع أناهيل الخطوة الأولى في رحلة البحث عن الذات. إنه نوع من التكثيف الذي ما إن تفاجئنا به الصفحات الأولى حتى يوقظ فينا التساؤل والفضول.
بالإضافة إلى تجذر الزمن في المكان وأشيائه، وبالإضافة كذلك إلى مشهدية السرد، يطالعنا الفصل الأول بتقنية فنية ثالثة، فبموازاة الزمن العادي الذي يستغرقه صنع قالب الكاتو استعداداً للاحتفال بعيد الميلاد الخمسين لأناهيل، تتزاحم الذكريات في خيال أناهيل وتهجم عليها بقسوة وشراسة، مجسدةً بذلك الزمن السيكولوجي الذي يرخي بثقله على الزمن العادي، زمن اللحظة الحاضرة. احتكاك الزمن بالزمن يولد الشرارات التي، في لمحات سريعات، تضيء على ما يعتمل في كيان أناهيل من استحضارٍ لما كان فإستنكارٍ له فمحاولةٍ للسيطرة عليه، استعداداً، ربما، لتخطّيه.
وما تستحضره الذاكرة غني ومتشعب، يبدأ بصور لنساء "نحيلات الخصور" أو "عريضات الأوراك"، كلهن متحكمات بمجرى حياتهن، يرفلن بالحرير ويلبطن الأبواب بأرجلهن، متحررات من العوز المادي ومن إجحاف الضغوط الاجتماعية المقيّدة لإرادة الإنسان الفرد في المرأة. هوس الذاكرة بهذا النمط من النساء المتعصرنات يثير ثائرةً ما في كيان أناهيل فتهشم علبة السجائر ثم تلملم بعض ما سلم منها فتشعل سيجارة بعد أخرى ثم تدعس بقدمها الأعقاب وكأنما هي بذلك تتلف الذكرى والماضي الذي انسربت منه. إنها ردة الفعل الأولى التي سرعان ما تتلوها ثانية فثالثة، فهكذا هكذا إلى آخر الفصل. يطالع أناهيل وجهُها في المرآة، فتداري بيدها خطوط الطول والعرض فوق جبينها وبداية التجعدات حول عينيها وفي أواسط عنقها. الوعي الملتقِط لصورٍ من الماضي والمسجِّل للتغيرات الطارئة على الجسد في حاضره إنما ينوء الآن بعبئين حيث، مرة ثانية، يلتحم الزمن بالزمن. العبئان أكبر مما تطيق أن تحتمله أناهيل. تهرع إلى المطبخ فتغسل الصحون ثم تبدأ بتحضير قالب الكاتو، وإن تكن، في داخلها، تتمنى لو يأتيها القالب هذه السنة جاهزاً. أن يكون المحتفي والمُحْتَفى به هو الشخص عينه، يحمل بالطبع دلالة العزلة الإنسانية المربكة. ولكن على صوت الخلاطة الكهربائية – التي بواسطتها تتشبث أناهيل بالحاضر محاولةً السيطرة عليه – تنهمر عليها من الماضي القريب والبعيد صورٌ لمحطات هامة من حياتها. البارحة، مثلاً، شرحت لها الطبيبة النفسية أن كرهها لعيد ميلادها وأعياد الميلاد الأخرى هو "شعور معظم الذين يصبحون في منتصف العمر" كتعبير عن "رفض للتقدم في الزمن ورفض للنهاية". أناهيل ترفض هذا الجواب لسبب جوهري. إنها بحاجة إلى اكتشاف الأجوبة من داخلها هي، على طريقتها هي، لا إلى تلقّي تفسيرات لحياتها من خارج وعيها. إذن، الخطوات الأولى لرحلة البحث عن الذات كانت أناهيل قد خَطَتْها بالفعل قبل لقائنا بها في مطلع الفصل الأول.
وتكرّ سبحة الذكريات عبر تقنية "الومضات الورائية". في الثامنة عشرة كانت حينما التقت "ثابت" أول مرة، بهرها صوته وعيناه وحضوره كحزبي على مستوى من الثقافة يسمح له أن يكون سيد الإجتماعات والندوات والسهرات. وشدّها إليه ذلك البريقُ في عينيه كلما التقاها، وذلك الحنوُّ من يديه كلما احتضنتاها. هذه الومضة العجلى من ذلك الفردوس المفقود تؤجج في أناهيل حسرة الخسارة وتعمّق إحساسها المأساوي بمرور الزمن الذي لن تستطيع قهره بإرجاع عقاربه إلى الوراء. مستحيلٌ بالتأكيد إسترجاعُ ذلك الفردوس الضائع، "فقديماً، قديماً، كان كل هذا. قديماً، قديماً، كل هذا كان." أعياد الميلاد، في ذلك الماضي السحيق، تزيّنها الوردةُ الحمراء من يد "ثابت" والفتسانُ الأسود الطويل والحذاءُ اللمّاع اللذان كان يختارهما لها هو، كل ذلك الآن أصبح بمثابة الذكرى، تعود لا لتبعث فرحاً ولكن لتؤكد خواءَ المرارة الذي هو صبغة الحاضر من حياة أناهيل. هذا الخواء، الذي يذكّرنا بخواء السكون المطبق على الحديقة الخلفية التي تطلّ عليها أناهيل من شرفتها في الفقرة الأولى من الرواية، يمتد ليهيمن على المقطع الأخير من الفصل الأول. من "آرليت"، الصحفية الفرنسية والصديقة الحميمة لثابت، تصل باقة ورود بيضاء مع تمنيات آرليت لأناهيل بعيد ميلادها. الورود البيضاء تستحضر من الذاكرة مقالة كانت درستْها أناهيل في الجامعة. المقالة يشرح فيها الناقد دلالات اللون الأبيض للحوت في الرواية الأميركية المشهورة "موبي ديك". يستنتج الناقد أن البياض هو لون اللاشيء لأن دلالاته ومعانيه إنما تحددها الإسقاطاتُ الثقافية المتراكمة بتناقضاتها التي يلغي بعضها بعضاً. عملية الإلغاء هذه تنتهي، بالطبع، في حالة يمكن تسميتها "خواء المعنى". وفي رحلة البحث عن الذات وعن معنى الحياة يشكّل الخواء تهديداً لوجود الذات. بداية الفصل الأول ونهايته تؤكدان على أن هذا السكون، هذا الفراغ، هذا الخواء، هو أخطر الحوافز التي تستنهض همّة أناهيل لخوض الرحلة التي، حتى اللحظة، تبدو نتائجها مجهولة الإحتمالات.
الرحلة، كتقليد أدبي، كاستراتيجية فنية أعتُمدت منذ نشوء القدرة التعبيرية للإنسان، لها في تاريخ النقد الأدبي تعريفات ورموز لا بد من الإلماح إليها لعلها تلقي ببعض الضوء على غنى الأسلوب الذي تنبض به رحلة أناهيل. الرحلة إطار للحركة التي يستغرقها العبور بين حالتيْ طرح السؤال واكتشاف الإجابة، أو الإنتقال من حالة الجهل والفراغ إلى حالة المعرفة والإمتلاء. الرحلة هي الإطار الفنّي الذي يقيس به البطل، خاصة إذا كان هو الراوي، وعْيَه لتجربته الإنسانية. وجوهر البحث في كل رحلة هو التفتيش عن فردوس مفقود أو فردوس مُتَخَيَّل، تنتهي الرحلة إما بانتصار البطل وتحقيقه لذاته وإما بانكساره انكساراً جسدياً أو معنوياً، استناداً، كما يقول "نورثروبْ فْرايْ"، إلى الرؤية الكوميدية أو التراجيدية التي على أساسها يبني الأديبُ عملَه. وفي تجربة أناهيل تجد الرحلةُ لنفسها في "النهر" الرمزَ الخالد للحركة التي لا تنتهي، في انطلاقتها وسيرورتها وتوجهها – من مكان ما، عبر مكان ما، نحو مكان ما: من ماضٍ، عبر حاضرٍ، نحو مستقبل. النهر، الذي هو في الأساس جزء لا يتجزأ من جغرافية المكان، تتوالد له في الرواية ارتباطات بماضي أناهيل، بحاضرها، وبمستقبلها. ووحدها هذه الارتباطات قادرة على رفد النهر بثراء الدلالات المرتبطة بجوهر الرحلة / البحث.
في الفصل التاسع (62-64) تغادر أناهيل مدينة بيروت، المتمحورة حول مكان عملها في الجفينور وبيتها في كورنيش المزرعة وبيت صديقتها الخليجية "لمى" في الرملة البيضاء. تقصد قرية أمها في الجبل. الأمكنة من ورائها وأمامها على طول الطريق معشّشة بالذكريات. من ورائها، أسرٌ مفتعل بضيق المسافة. أمامها وعلى امتداد الطريق الساحلي صعوداً باتجاه الجبل، انسراحُ الهواء المتاخم لانسراح المسافة، المسافة التي قصدتْ أن تطيلها هي هذه المرة. ذاكرتها تسبقها إلى الصغار من أبناء الحيّ "يطيّرون طيارة الورق"، وإلى شبّان الحيّ "تصفق الترابَ على البيدر أرجُلُهم في حلقات الدبكة في الأعراس". إذن هي هاربة من الماضي القريب المرتبط بتجربتها في المدينة نحو أرض الطفولة التي لا يزال خيالُها يعبق بنشواتها وأفراحها. إنعطافتها من الطريق الساحلي إلى الطريق الجبلي تفتح أمام أذنيْها وعينيها النهرَ، الذي كادت أن تنساه، بكل هديره ودفقه ودويّه. "سأصطحب النهر اليوم في نزهتي" تحدّث نفسها وقد غمرتها أحاسيس خفية. سيارتها تتحرك في مجرى الريح، والنهرُ يتحرك في مجراه. حركتان حسيّْتان سرعان ما يزهر تلازُمُهما ذكرياتٍ من فصول الربيع والصيف، من يفاعة أناهيل، حينما كانت ولِداتُها يأتين إلى الضفة، يلهون ويلعبن ويأكلن. تلك كانت مواسم البراءة التي أعقبت براءة الطفولة في القرية. تتذكّر أناهيل كل هذا، ولكنها تتذكّر كذلك أنها، إذا حدث ومرّت بالنهر مساءً أو في الليل، كان ينتابها شعور يتنازعها بين "الخوف والرهبة والتشويق"، مردُّهُ ربما إلى ذات النهر "المشرفة دائماً على الرحيل". تترجّل وتحيط المكان كلّه "بنظرة جوّالة". أسراب من طيور النهر – التي في وعي أناهيل تمثل "نسل الحرية" – تغطي سطح الماء، وأسراب تملأ الفضاء. جناح يضرب في الريح وجناح يضرب في الماء، ثم ينتفض "الصمت خلجات خلجات". تناغُمُ الريح والريش والماء لوحةٌ فردوسيةُ الدلالات. المشهد مشحون بالأزمنة التي يضيء بعضها على بعض لتتوسع في كيان أناهيل رؤيةٌ أعمق لحياتها – أعني على ضوء حركية الريح والجناح والماء وما للثلاثة من دلالة على الشوق الدائب إلى التفلّت من قيود المكان وأسره.
في ست مناسبات أخرى تؤكّد الرموز الثلاثة على حضورها، منفردة أو متضافرة، لتواكب بدلالاتها الرحلة الجوّانية التي يخوضها وعيُ أناهيل. والعودةُ إليها في المحطات الهامة من الحبكة يحوّلها في آخر المطاف إلى ما يسميه ت.س.إليوت "المعادل الموضوعي" – أو التمثيل المادي" – للحالة الوجدانية التي ترصدها الرواية في تجربة أناهيل. واختيار مناسبات محددة للعودة إلى الرموز الثلاثة هو بالطبع خيار فنيّ واعٍ يشهد بالإتزان الداخلي لعملية السرد ويجعل من قراءة الرواية متعة فنيّة شعرية، بالإضافة إلى كونها تجربة إنسانية. (جدير بالذكر أن الفنيّ والإنسانيّ متلاحمان من الفقرة الأولى للرواية حتى الفقرة الأخيرة).
أوّل المناسبات الست تطالعنا بها الصفحات 85-88، حيث أناهيل وصديقتها لُمى في طريقهما من بيروت إلى منزل أمّ أناهيل في الضيعة. عند نهاية الطريق الساحلي حيث ستستدير بهما السيارة نحو طريق الجبل، ينساب في خيال أناهيل ما كان جرى لها مع الكنار الحبيس الليلةَ الفائتة. لم يرقد له جفن وهو يقفز في قفصه الصغير "ويقسّم تقسيماته الحزينة على مدى وعمق اتساع الريح." يرصد وَعْيُها، وهي الساهرة أيضاً، علاقةَ التماهي الخفيّة بينهما، فإذا هو "يرافق صوتُهُ وخلجةُ جناحيه مسارَ أحلامي، فيترنم بإلحاحي وكأنه يستشرف فكري." بل الأمر أخطر من ذلك، فالكنار يبدو لها وكأنه "يطلّ على نافذة قلبي"، ليتبادل معها دور المتأمّل للآخر المتعاطف معه. وعيُها يترجم دلالة رفّة الجناحين والقفز والترنيمات الحزينة، فإذا هي تعابير تمرّد على كل "أشكال الأسر". صوت الكنار المقهور يضرب "عمق الريح وعمق المطر وينسرب في أروقة الظلام" في إلحاح دؤوب لتخطّي الأسر في المكان وأشيائه، وهو بذلك توأم للصوت الداخلي لأناهيل، الملحاح الدؤوب أيضاً لتخطّي الواقع والحاضر. وما يعطي للمتمرّد المسكين في قفصه بعداً مأساوياً أنه مرتبط ارتباطاً عكسياً، في وعي أناهيل، بطيور النهر "الهازئات بالريح". من هذه الومضة الورائية العجلى نعود مع المرأتين إلى اللحظة الحاضرة حيث تتوقف بهما السيارة عند ضفة النهر. الهنيهة هنيهة إحتفال، فها هي " عصبة الجناح والريش تحتفل بلقاء الريح والماء" وها هو "يمتد بيني وبين الطيور خيط من النجوى". من الكنار في قفصه إلى طيور النهر في انسراحها حرّة مع الريح والنهر، رحلةٌ، على مستوى الرمز، بين الماضي القريب والحاضر من جهة وذلك المستقبل الذي لم يولد بعد من جهة أخرى. هنيهة الإحتفال تشمل المرأتين معاً، وقد تماهى قَدَراهما في البحث، بعد زواج انتهى إلى فراغ وخواء، عن معنى جديد للحياة ربما يعطي للذات هوية جديدة.
ثاني المناسبات الست وجيزٌ وجيز، تطالعنا به الصفحة 119، في مشهد يؤكّد من جديد على التماهي الذي شهدناه من قبل بين أناهيل وكنارها. يتبادلان صبيحة اليوم، كعادتهما كلّ صباح ومساء، صفيراً يتقطع ويتكرّر، وكأنما ليذكّر أحدهما الآخر بالوشيجة الخفيّة التي تربط بين قدريْهما. في هذا المشهد ينتفي ذكر الريح والماء، كما ينتفي ذكرهما في ثالث المناسبات الست (131-132) حيث العزلة الإنسانية في البيت تجهد أناهيل أيّما إجهاد لحظة تدرك بحدسها أن زوجها "ثابت" آخذ في التقرّب من صديقتها الوحيدة لُمى. "ربع قرن من الاضطهاد ومن القمع ومن الذلّ ومن الهوان ومن الفجيعة "كافية لتدفع بأناهيل إلى النافذة الغربية لتصفّر لكنارها، أنيسها الوحيد الآن، ثلاث مرات، وهو لا يجيب. صمت الكنار لا يفسره الراوي، ولكننا سرعان ما نفهمه على أنه إنسحاب إلى أعماق الذات في عزلة هي كلّ ما تبقى له من حاضره. الصمت ينقطع، ويأتي الآن صوت الكنار بصيغة أنّات العتاب والتأنيب على التواني والتخلّي والخيانة. صوت الكنار يعاتبها إنما هو أيضاً صوتها هي يعاتب الحياة في شخص "ثابت" على لوثة التخلّي والخيانة.
العلاقة التي تزداد حميمية بين "ثابت" ولمى تعمّق من عزلة أناهيل حتى داخل بيتها. يفسر ذلك حاجة أناهيل، المرة بعد المرة، إلى زيارة أمها في الضيعة والوقوف عند ضفة النهر قبل أن تأخذ طريق الجبل. النهر الآن ليس مادة للتأمل. لقد غدا كائناً يتفاعل معها، تماماً كما غدا الكنار. "يسبقني النهر بالتحية" تمرّ في خلدها الكلمات، فتلبّي هي وتصافحه، "فتتسرب مياهه بين أصابعي... وتغريني بالتعرّي..." هذا الإغراء يظلّ احتمالاً حتى الصفحة الأخيرة من الكتاب. في هذا المشهد يتأكد حضور الماء وحده بلا ريش جناح ولا هبّة رياح. الطيور الشتوية كانت قد هاجرت واختفت في رحلة بحث جديدة. وحدها أناهيل مع النهر المؤنْسَن الآن. تلتقيه ثم تقول له "إلى اللقاء" وكأنما لتذكّره بأنها عائدة إليه عمّا قريب. ما يفصلهما عن اللقاء الأخير هو خضوع أناهيل لبعض التحاليل الطبيّة والفحوصات المخبرية. الخوف من سرطان الثدي وانتظارها لصدور نتائج التحاليل والفحوصات يضعها على مفترق طرق ثلاث: إما أن تخسر حياتها، وإما أن يطلع عليها نهار بنبأ اختطاف زوج لمى الخليجي لزوجته والعودة بها إلى دياره، وإما أن "أرى نفسي أسير وحدي في منتصف الطريق" على لسعة شمس الظهيرة، "وأحلم بشجرة غضة وارفة تظلّلني أو ربما بواحة خضراء وقد تفجرت في أرجائها عيون الماء وسكنت في أعالي شجرها طيور غريبة الألوان والأشكال، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي كنتُ أرقبها عند مصبّ النهر." هذ المشهد – المناسبة الخامسة من الست – (صفحة 152) هو حلم من أحلام اليقظة، تعيشه أناهيل في خضمّ معركتها مع الحياة والموت. هي الآن على وشك العبور إلى المحطة الأخيرة من رحلة البحث. تجدر الملاحظة هنا أن عنصر الماء/ النهر وعنصر الجناح والريش / طيور النهر يسكنان وعي أناهيل حتى في غيابهما الماديّ. ومن هنا يتضح لنا أن غياب أيّ من العناصر الرمزية الثلاثة – الريح، الجناح، الماء – في حضور أحدهما أو كليهما هو جزء من استراتيجية الخفاء والتجلّي. فالغياب الماديّ للأشياء إنما يؤكد على حضورها، على المستوى النفسيّ، في وعي الراوي / البطلة، وذلك بداعي الحاجة المضمرة إلى هذه الأشياء كما إلى دلالاتها. غياب واحد أو اثنين من العناصر الرمزية في حضور الثالث المقصود أيضاً ليعطي لخاتمة الكتاب زخماً نفسياً ودلاليّاً حيث في المشهد الأخير من الرواية، حيث نحن في آخر مطاف الرحلة مع أناهيل، يتشابك من جديد الجناحُ والريحُ والنهرُ والإنسانُ – أناهيل – في هنيهة مكثّفة تصّعّد حتى تشارف حافة الرؤيا. في هذه الهنيهة يتشابك الحاضر بالغائب، والحلم بالواقع، كما تتشابك في لحمة فنيّة نادرة أبعادُ الزمن الثلاثة.
المشهد الأخير من الرواية تسبقه زيارة تقوم بها أناهيل إلى مزرعة إيهاب، أحد أقرباء أمّها، وقد أبقتْه الرواية شخصية ذكورية غير مكتملة الرسم، حتى لكأنه ظلّ من الظلال. هذا المنسحب حتى من جوّ القرية إلى عزلة مزرعته يقضي أيامه بين الصخرة المرتفعة في الفضاء والمغارة التي يخطط لبناء طابق واحد فوقها حينما يعقد العزم على الزواج. هذا ما يبوح به لأناهيل، وكأنما كلماته دعوة لها لتنتقل معه إلى جغرافية حياته. كونه أشبه بالظلال يوحي بأن أناهيل سرعان ما ستطرده من خيالها كاحتمالٍ لخيار (157-158). خيارها الوحيد الممكن الآن هو أن تعود إلى النهر هذه المرة ربما لتتماهى معه. والنهر في التقليد الأدبي والمفهوم السيكولوجي، هو رمز لتدفق الحياة في مسيرة لم تصل إلى غايتها بعد. النهر حركة استمرار دائبة، وهو بهذا المعنى يوحي بأن رحلة أناهيل لم تنتهِ بها إلى خاتمة المطاف، إلى قرار نهائي تتحدّد به معالم هويتها الجديدة. الرحلة بحد ذاتها، إذن، كمعركة تخوضها الذات مع نفسها ومع الآخر ومع الوجود، هي بالنتيجة ما يعطي للذات كيانها وللحياة معناها. هذا الاعتبار يعفي الرواية من ضرورة أن تنتهي بخاتمة كلاسيكية. هذا كله صحيح إذا افترضنا أن المؤلفة تتناول هذا الرمز بالطريقة المشار إليها أعلاه. فهل هي فعلت ذلك أم أنها خبّأت لنا سرّاً آخر من أسرار جعبتها الفنيّة؟
الفصل السادس والعشرون (159-160) يتألف من فقرة واحدة ينبني في تدفق سطورها مشهدٌ جذورُهُ في الماء وفروعُهُ ساربةٌ في وهج من النور منعتقٍ من محدودية الحسّ والحسّيات. إنه عالم الحلم والشوق، حيث كلّ ما فيه يتحرك وحيث تغدو الأشياء قادرة على التحول، فها هي أناهيل تتحوّل، في حنين أناهيل، إلى مهرة سمراء. هي الآن تمسك بلجام المهرة. مُلْكُ يديها، إذن، فعّلُ القيادة والمبادرة. "لمرة واحدة أريد أن أقذف بحرصي وخوفي وآخذ القرار" تمرّ في خلدها الكلمات. وتتّخذ القرار. تنفض عنها رداءة الثياب وتقفز "من فوق سور الآن." المهرة السمراء تعدو وكأنها تسابق الريح التي "تختلج المكان". أخيراً تسلم أناهيل جسدها للماء، "والماء في رقصته كأرجوحة العيد". نشهد الآن مع أناهيل لحظة احتفالية تتداعى إليها كلّ العناصر. والطيور كأنما تواكبها في رحلتها هذه خلف حدود المكان. الجناح دائب في متابعة الريح من فوقها، "والنهر من تحتي في مساره يسير" وقد تحوّل إلى فرس وهودج. فجأة يحدث في تطور المشهد شيء مثير للتساؤل والفضول والجدل، ففي اللحظة التي يحسّ القارئ فيها بتماهي البطلة مع مياه النهر السائر في مجراه، تودّعها "حلاوةُ الماء في مفترق الطريق." هل اندفع بها ماء النهر حتى مصبّه في البحر فهي الآن بين الحياة والموت؟ هل هي لحظة انتحار تُختَتم بها رحلة البحث أم هي لحظة ولادة، خلف حدود الزمان والمكان، في ذلك الحيّز الحُلُميّ حيث الأشياء "كأنها" تحدث، وحيث، كما تقول أناهيل في العبارة الأخيرة من الرواية، "كأنما أخلع من قدميّ نفسي وأدخل في عالم النور"؟ يظلّ السؤال معلقاً في الهواء بين الاحتمالين، لأن النور له دلالة الكشف المعرفيّ، تماماً كما له، في لحظة الموت مثلاً، دلالة انهيار السُّجُفِ التي تفصل بين الإنسان وعالم اللامرئيات، عالم الغيب. الرواية، بالنسبة للقارئ، تنتهي بمعضلة لن يحلّها له حتى قراءة الرواية مرة ثانية. ولكنّ المتعة الفنيّة، بالرغم من هذه المعضلة الإنسانية المعلّقة، تظلّ التجربة التي لا يمكن للقارئ تناسيها أو القفز من فوقها بعد أن يقلب الصفحةَ الأخيرةَ من الكتاب.
د. صلاح الدين الحريري
شباط 2007